أي أن كاشف الغطاء لم يقبل بالتراجع الأصولي أمام الأخبارية والتملّص عن نصوصهم بادّعاء أن اختصاص فهم القرآن بهم عليهم السّلام إنما يراد به فهمه برمّته كما درجت عليه كلمة الأصوليين ، أو أنه خاص بغير الظاهر منه كبعض المبهمات ، بل حاول - إضافة إلى ذكره هذين الوجهين - ادّعاء عدم وجود دلالة روائية على أصل هذا الموضوع « 1 » ، وهو ردّ فعل متقدّم من جانب الأصوليّين ، لم نعهده إلا عند بعض المعاصرين كما سيأتي .
ومع ذلك كلّه ، يقبل كاشف الغطاء - كبقية الأصوليين - وجود درجات في الدلالة القرآنية ، فبعض الآيات يفهمه الجميع ، وبعضها الآخر لا يفهمه إلا العلماء ، والبعض الثالث لا يعرفه إلا هم عليهم السّلام كفواتح السور « 2 » .
الاتجاه الأصولي وتكميل نظرية الفهم القرآني
ما كاد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ينهى مساهمته في هذا الموضوع ، حتى جاء السيد عبد اللّه شبر ( 1242 ه ) ليضيف مساهمة نصيّة أساسية ، شكّلت حصيلة ما قدّمه الأصوليون في دعم نظريّتهم ، فكانت تجربته في « الأصول الأصلية والقواعد الشرعية » بمثابة اكتمال نصّي لنظرية الأصولي ، فقد جمع شبّر مائة وإحدى عشرة رواية لدعم نظرية الأصوليين هنا « 3 » ، وهو جهد ساهم في إنجاح الدعم النقلي لها ، كما ساعد - على الأقل - في إيجاد توازن نصي بين الطرفين ، حاول الأصولي معه - فيما بعد - التركيز على ادعاء وجود تضارب بين النصوص ، بما يسمح بالاعتماد على المداخل العقلانيّة التي شرع بها الوحيد ( 1205 ه ) واستمرّ بها كاشف الغطاء ( 1228 ه ) .
أوّلا : لكنّنا لا نجد إسهاما رئيسيّا بعد كاشف الغطاء في التشييد لنظرية مرجعية القرآن ، بقدر ما لاحظنا جهدا بليغا لردّ أدلّة الأخباري ، حتّى أدرجت أدلّة الأصولي على مرجعية القرآن في خدمة معارضة دليل النهي عن التفسير بالرأي ، كما فعله الخراساني ( 1329 ه ) « 4 » .
وهذه ملاحظة جديرة بالدرس ، ربما يكون سببها شعور الأصولي بأن عدم القول بحجية الدلالة القرآنية ليس ذا بال ، وإنما شبهة في مقابل بديهة ، تقتضيها النظرية العامّة التي ركّزها علم أصول الفقه في مجال الدلالة ، ألا وهي حجيّة الظهور ، ولأجل وضوح
هامش
( 1 ) - المصدر نفسه : 25 .
( 2 ) - المصدر نفسه : 26 .
( 3 ) - السيد عبد اللّه شبّر ، الأصول الأصلية والقواعد الشرعية : 95 - 122 .
( 4 ) - الخراساني ، كفاية الأصول : 327 ؛ والخوئي ، مصباح الأصول 2 : 124 - 125 ، والأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 59 - 61 ، وغيرهم .