إزدهار السنّة أو التطوّرات الحديثية مع المدرسة الأخباريّة
لاحظنا سابقا أنّ الشيعة كانت مهتمّة لأمر الحديث في القرون الأربعة الهجرية الأولى ، وأنّ هذا الاهتمام قد بلغ أوجه مع مدرسة الشيخ الصدوق ( 381 ه ) ، وقد كاد أن يقضى نسبيا على هذا الاهتمام مع المرتضى والمفيد ، لولا أنّ الشيخ الطوسي قد سلك سبيلا وسطا - كما قلنا - بين تياري العقل والنص في الفكر الشيعي ، مؤلّفا إلى جانب « الأمالي » كلا من التهذيب والاستبصار ، وقد تتالى الاهتمام الحديثي بشكل عادي أحيانا وبطيء خجل أحيانا أخرى ، فلاحظنا تجربة ابن طاوس في كتاب « فتح الأبواب » وغيره ، وقبلها تجربة ابن إدريس الحلّي مع « المستطرفات » وغير ذلك . . . إلّا أنّ أمر الحديث بعد ابن طاوس والعلامة أخذ بالركود ، ثم شهدنا ظهور علم الحديث مع الشهيد الثاني ، لكنها بمجملها خطوات حديثية محدودة نسبة لتجربة القرون الخمسة الأولى .
ويكشف لنا نصّ دالّ للشيخ حسن صاحب منتقى الجمان يخبرنا فيه عن سبب تأليفه كتابه هذا ، إنه يقول : « والذي حدانا على ذلك ما رأيناه من تلاشي أمر الحديث ، حتّى فشا فيه الغلط والتصحيف ، وكثر في خلاله التغيير والتحريف ، لتقاعد الهمم عن القيام بحقّه ، وتخاذل القوى عن النهوض لتلافي أمره ، مع أنّ مدار الاستنباط لأكثر الأحكام في هذه الأزمان عليه ، ومرجع الفتاوي في أغلب المسائل الفقهيّة إليه ، ولقد كانت حاله مع السلف الأوّلين على طرف النقيض ممّا هو فيه مع الخلف الآخرين ، فأكثروا لذلك فيه المصنّفات ، وتوسّعوا في طرق الروايات ، وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده ، من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه . . . وأنا أرجو من كرم الله تعالى الإمداد بالمعونة على ما أنا بصدده في هذا الكتاب من بذل الجهد في استدراك ما فات ، وصرف الوكد إلى إحياء هذا الموات ، ليكون مفتاحا لباب الدراية الأشب ، ومعوانا على بناء ربع الرواية الخرب . . » « 1 » .
فهذا النصّ يؤكّد أنّ تراجعا في الاهتمام الحديثي قد وقع ، لا أقل بعد العلامة الحلّي ( 726 ه ) ، وهذا الأمر نراه طبيعيا جدا ، انطلاقا من عناصر عدّة أبرزها :
هامش
( 1 ) - الشيخ حسن ، منتقى الجمان 1 : 2 - 3 .