نصّ بالغ الواقعية في قراءة المعرفة الدينية المبنية على النص ، وهو - عندي - من أعظم النصوص الدالّة على القراءة الواقعية للعقل الأصولي النقّاد « 1 » .
ثانيا : إنّ الطرق إلى كتب الأصول ليست إلّا للبركة ، ونحن على يقين « بأنّ ما في الكتب الأربعة مأخوذ من أصول قدمائنا ، وإنّما جعل السند للبركة ، ومجاراة للعامّة بدل أن يقولوا : لا أسانيد لهم » « 2 » .
وهذه المناقشة مرجعها إلى المناقشة الأولى .
والظريف هنا أنّ الأخباريين يصرّون على أنّ ذكر السند كان للبركة ومجاراة لأهل السنّة ، فيما يرى الطرف الآخر أنّه شهادة صارخة على معيارية السند بنوع من أنواع المعيارية ، وعدم يقينية الأخبار « 3 » .
ثالثا : إننا مأمورون باجتناب طريق أهل السنّة حيث جاء في الحديث « فإنّ الرشد في خلافهم » « 4 » ، ونحن نعلم أنّ طريقة المتقدّمين تباين العامّة ، أمّا الجديد فهو على وفقهم بل هو مأخوذ من كتبهم ، فلزم الأخذ بطريقة المتقدّمين « 5 » .
وهذه المحاولة التي ذكرها الحرّ العاملي فيها بعض الغرابة ، ولست أريد الخوض في تحليل تلك القاعدة المدّعاة ، حيث ذكر حولها الكثير في مباحث التعارض من علم أصول الفقه الشيعي ، لكنني أريد المناقشة في تطبيقها ، فإذا كان صاحب المعالم يقول : إنّ القرائن قد اندرست ، فكيف يمكن إلزامه بالعمل بالقرائن تحت ستار : إن الرشد في خلافهم ، وإذا ناقشناه في القرائن واقتنع معنا فلا حاجة لهذا الاستدلال بعد ذلك ، لأنّ من المؤكّد مع وجود قرائن القطع بالأحاديث أنّ الجميع سيعملون بها ، فالمعركة الفكرية يجب أن تتمركز هناك ، لا أن تحشد أدلّة غير مرتبطة بالموضوع .
رابعا : إنّ الاصطلاح الجديد يلزم منه تخطئة جميع الطائفة زمن الأئمة عليهم السّلام وزمن الغيبة ، لأنّ هذه الطائفة لم تعمل به قبل ابن طاوس « 6 » .
ويطوّر الكركي لغة هذه المناقشة بممارسة ترويع شديد حيث يقول - تارة - : إنه يلزم من هذا الاصطلاح « جعل قدماء الفرقة الناجية من جملة الحشوية
هامش
( 1 ) - انظر هذه القراءة الواقعيّة أيضا عند البهبهاني في الرسائل الأصولية : 16 - 37 ، ومجمل ثنايا رسالة الاجتهاد والأخبار من هذا الكتاب .
( 2 ) - الأسترآبادي ، الفوائد المدنية : 118 ، 377 ؛ وله أيضا الحاشية على تهذيب الأحكام ، مخطوط ، الورقة رقم 14 و 96 - 97 ؛ وانظر : الحرّ العاملي ، الوسائل 30 : 258 ؛ والكركي ، هداية الأبرار : 55 - 56 .
( 3 ) - الملا علي كني ، توضيح المقال : 61 ؛ والكاظمي ، كشف القناع : 208 ؛ ومحمد سند ، بحوث في مباني علم الرجال : 27 - 29 .
( 4 ) - محمد بن يعقوب الكليني ، الكافي ، المقدّمة 1 : 8 .
( 5 ) - الحرّ العاملي ، الوسائل 30 : 259 ؛ وهداية الأمّة 8 : 581 .
( 6 ) - الحر العاملي ، الوسائل 30 : 259 ؛ وهداية الأمة 8 : 581 - 582 .