الموقف الأخباري من التقسيم الرباعي للحديث
بعد أن اتضحت أمامنا الصورة التي كوّنها الأخباريون عن السنّة المحكية من حيث الاعتقاد بيقينيّتها ، صار من الطبيعي أن نتفهّم حملتهم العنيفة على التقسيم الرباعي للحديث ، كما صار من الطبيعي تفهّم مبررات اللغة الحادّة التي استخدمها الأسترآبادي في نقده لشخص العلامة الحلّي ، لقد كان الأمين الأسترآبادي عنيفا جدا - كما يقرّ بذلك المحدّث البحراني على ما تقدّم وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى - وسبب التركيز على العلامة هو تضعيفه - وفق رأي الأخباريين - من موقع السنّة ومكانتها ، ولسنا نريد الاستشهاد على الحملة القاسية التي حملها الأسترآبادي على العلامة وبعض رجال مدرسته ، فمراجعة الفوائد المدنية والحاشية على تهذيب الأحكام و . . . تغني عن سرد الشواهد هنا ، لأنّها تضع القارئ في صورة واضحة عن الانفعال الغاضب للأمين الأسترآبادي ضدّ ما فعله العلامة وأنصاره .
وقد بيّنا بعض المبررات الموضوعية للأخباريين حينما شرحنا عوامل نشوء هذه المدرسة ، فقد اعتبر الأخباريّون أن العلامة وأنصاره قد تأثروا بالفكر السنّي ، فأخذوا مقولات هذا الفكر بدءا من علم أصول الفقه وعلم الدراية وحتى نظريات الإجماع والعقل والتقسيم الرباعي و . .
كانت قناعة الأخباريين قائمة منهجيا على أنّ المنتج الثقافي والفكري السنّي خاص ببيئته ، ومن ثم لا معنى لتطبيقه في البيئة الفكرية الشيعية ، فعند ما يتحدّث الشيخ البهائي ( 1031 ه ) في كتاب « الأربعون » عن تأخّر وقوع التدوين إلى ما بعد القرن الهجري الأوّل « 1 » ، سرعان ما ينتقده الحرّ العاملي بأنّ ذلك ينطبق على الوضع السنّي بخلاف الشيعة الذين كان سلفهم على التدوين حتى في القرن الأوّل الهجري ، ومن ثم فالبهائي مخطئ في هذا التعميم « 2 » ، والسبب في خطئه هذا نفوذ المقولات السنية في الوسط الشيعي
هامش
( 1 ) - الشيخ البهائي ، الأربعون حديثا : 66 ، لكنّ البهائي عبّر هناك بقيل : إن تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة ، ولم يجزم به .
( 2 ) - الحرّ العاملي ، الفوائد الطوسية : 241 - 242 .