الملاحظة التي يسجّلها الوحيد مهمة ، سيما وأن المحدّث البحراني نفسه يصرّح بحقيقة خطيرة في هذا المجال - عن طريق العرض في أحد أبحاثه الفقهيّة - فهو يقول : « الظاهر أنّ هذه الزيادة [ في إحدى الروايات ] سقطت من قلم الشيخ [ الطوسي ] كما لا يخفى على من له أنس بطريقته ، سيما في التهذيب ، وما وقع له فيه من التحريف والتصحيف والزيادة والنقصان في الأسانيد والمتون ، بحيث قلّما يخلو حديث من ذلك في متنه أو سنده ، كما هو ظاهر للممارس » « 1 » .
وليس المحدّث البحراني وحده من الأخباريين الذين أقرّوا بذلك ، بل إنّ نعمة اللّه الجزائري ( 1112 ه ) يقرّ بهذا الواقع لا عن طريق العرض بل عند بحثه في نفس هذه المسألة ، ويرى ذلك مضعّفا لوجهة نظر الأخباريين في الموضوع ، قال : « من تتبّع نسخ التهذيب مثلا يرى أنّ الحديث الواحد يختلف فيه ألفاظه على اختلاف النسخ بما يتفاوت به المعنى ، وكذلك بقيّة الأصول » « 2 » ، ذاكرا نماذج عدّة على كلامه ، من أهمّها اختلاف ألفاظ الصحيفة السجّادية ، واختلاف قراءات القرآن ، مع أنّ أهميتهما لا تخفى على أحد « 3 » .
وهذه الحقيقة التي يعبّر عنها البحراني بكلمة « قلّما » يحسمها أحد الأعلام الرجاليين المعاصرين وهو آية الله السيد موسى الزنجاني فيما نقله عنه محمد رضا رضوان طلب ، حيث يؤكّد على أن كلّ سطر في الكافي فيه هذا الارتباك ، بالتعويض المخلّ بالمعنى « 4 » .
هذه المعطيات الميدانية ، وحقائق عالم النسخ والمخطوطات تجعل الجزم بصدور هذه النصوص جميعها بشكل سالم وسليم ضعيفا .
ويعزّز الأصوليون موقفهم النقدي باختلاف الكتب الأربعة في بعض الروايات متنا وسندا ، بل اختلاف حتّى الكتاب الواحد نفسه عندما يذكر رواية واحدة مكرّرة ، وأكثر هذه الكتب اختلافا هو كتاب التهذيب للطوسي ، فكيف يمكن - مع ذلك - التصديق بهذه الروايات جميعها على نحو اليقين ؟ ! « 5 » .
هامش
( 1 ) - يوسف البحراني ، الحدائق الناضرة 4 : 209 ؛ نعم ، يرى الباحث أبو الفضل البرقعي أن كلام صاحب الحدائق هنا صحيح لكنه يشتمل على بعض المبالغة ، فراجع له : عرض أخبار أصول بر قرآن وعقول :
868 .
( 2 ) - نعمة اللّه الجزائري ، منبع الحياة : 65 .
( 3 ) - المصدر نفسه : 65 - 66 .
( 4 ) - محمد رضا رضوان طلب ، خبر الواحد مستنده وحجيّته : 54 .
( 5 ) - الخوئي ، معجم رجال الحديث 1 : 35 .