تملك فرصا أكبر من الصواب تتمثّل في أنّ الشيعة كانت تعمل باليقين حتى القرن السابع الهجري في الأعم الأغلب وفق ما توفّر لنا من مصادر ، وأنّ نظرية الطوسي بقيت متوارية في تكوّنها التدريجي إلى مجيء العلامة الحلّي كما سنرى قريبا .
5 - الدرس التاريخي والنتائج المعياريّة
النتيجة الخامسة : لا يعني ما قدّمناه أن الصحيح معياريا هو عدم حجية خبر الواحد ، انطلاقا من فكرة الإجماع أو الشهرة أو السيرة المتشرّعيّة ، لأننا لا نرى الإجماع أو الشهرة دليلين في المقام ، وأمّا السيرة المتشرّعية المتصلة بزمن المعصوم عليه السّلام ، فقد شككنا في اتصالها إذا بني على حجية الخبر كما ذهب إليه المشكيني « 1 » إن لم نقل بانقطاعها في القرن الرابع والخامس كما هو الصحيح ، وأما لو بني على عدم حجية الخبر وقلنا بالجري المتشرّعي على عدم العمل بخبر الواحد زمن الحضور كما احتملناه قويّا ، لا على مركوزية بطلان الحجية ، إذ هناك فارق بينهما كما يظهر بالتأمل ، فإن الجري المتشرّعي لا يكون دليلا على عدم حجية الخبر تعبدا لو قام عليه دليل من آية النبأ أو غيرها ، لأن هناك احتمالا قويا في أن عدم عملهم بخبر الواحد كان انطلاقا من عدم حاجتهم له ، إما لتوفّر عناصر موضوعية تفيد الوثوق بالأخبار أو لوجود ظواهر ثقافة يقينيّة تسرّع في حصول اليقين في الوعي الجمعي كما ذكرناه سالفا ، وهذا معناه أن الشارع يكون قد سكت عن تصرّفهم هذا انطلاقا من صحّته ، وعدم ابتلائهم بشكل غالب بخبر الواحد ، ومن ثم يكون احتمال حجية الخبر ولو بعنوانه الخاص احتمالا غير مطرود من جانب السيرة المتشرّعية ، لأنها سيرة سكوتية إزاءه ، فلاحظ جيّدا .
وهذا كلّه يعني أن بحثنا السالف - إذا أراد أن يؤثّر في هدم نظرية حجية الخبر - فلن يمكنه ذلك إلّا إذا أثبتنا أن الشيعة زمن الحضور كانوا مطبقين على التنديد بالعمل بالأخبار ومركوزية ذلك عندهم رغم كون موارد الأخبار - لا أقل بدرجة معتدّ بها - لا يقين فيها ، وأما في غير ذلك فلا يهدم بحثنا السابق سوى دليل السيرة المتشرّعية ، وكذا الإجماع والشهرة ببعض صيغهما ، أي غير السيرة العقلائية التي أدرجت عند صاحبي الرسائل والكفاية وغيرهما في دليل الإجماع .
وبهذا يظهر أن بحثنا السالف يمكنه أن يوظّف معياريا في إطار محدّد وفق ما بيّناه ، فإن ثبت التنديد المذكور زمن الحضور كان دالّا في المقام ، وإلا فتضعف قيمته بشكل بيّن دون أن تزول ، بل تكون محصورة بإسقاط بعض أدلّة حجيّة الخبر لا جميع الأدلّة .
هامش
( 1 ) - المصدر نفسه .