متمحّض في النقد السندي ، ومهمّته الأولى تنحصر في وضع اليد على جهات القوّة والضعف الموجودة في هذا الراوي أو ذلك ، بحيث يسلّط الضوء - وبشكلٍ أساس - على تلك النقاط ، بأن يقول لك : إنّ فلاناً ضعيف ؛ لأجل أنّه يروي المناكير ، أو إنّه لا يعتمد على قوله ؛ لأنّه كذاب ، أو هو صدوق أو ثقة أو غير ذلك .
وفي هذا الإطار ، يُطرح السؤال التالي : هل أنّ علم الرجال من فروع علم التاريخ أو أنّه من فروع علم الحديث ؟
وفي سياق الجواب نلاحظ أنّه يوجد هناك اتجاهان في الأوساط العلميّة عند أهل السنة ، في الجذور التي ينتمي إليها علم الرجال :
الاتجاه الأوّل : ويذهب إلى الاعتقاد بكون علم الرجال من فروع علم التاريخ ؛ وذلك لأنّنا - علمياً - عندما نرجع ونتفحّص الأدوات والآليّات التي يعمل من خلالها علم الرجال ، نرى أنّها تتناسب مع طبيعة عمل المؤرّخ أكثر من غيرها ؛ لأنّ المطلوب هو التوصّل إلى معلومات تتصل بدائرة التاريخ ، وهذا بنفسه ما يسوّغ هذه الرؤية ، خاصّةً وأنّ المصنّفات التي اعتمدت على المنهج الأول ( علم تاريخ الرواة ) هي أقرب إلى التاريخ وروحه منها إلى علم الحديث . بالإضافة إلى أنّ الأدوات التي يجري تداولها بين العلمين واحدة ، وكذا الموضوع التاريخي موحّد إلى حدّ ما .
ولذلك نجد كثيراً من الكتب الرجاليّة السنّية قد الّفت على الطريقة التاريخيّة ، فكما هو معروف ، كانت هناك عدّة أشكال للتأليف التاريخي في تراثنا الإسلامي ، وأشهرها ما يُسمّى بالتاريخ الحولي ، وهو - كما يستوحى من اسمه - يعتمد اعتماداً رئيسيّاً في طرحه للمادّة التاريخية على الزمان ، فيعرض المادّة معتمداً على الحول أساساً في ذلك ، وهذا ما نشاهده عند مؤرّخين مسلمين كالطبري وغيره .
وفي مقابل ذلك ، وجد نوعٌ آخر اختار أن يدوّن الأحداث التاريخيّة على أساس مختلف عن الأوّل ، فبناه على تسمية الفترة الزمنية الممتدّة بين حاصرين معلومين باسم شخصيّة كبيرة ومعروفة ، كأن يسمّيه بعصر فلان أو فلان .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 218
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢١٨