صلّى الله عليه وآله أم كذبوا ؟ قال : « بل صدقوا » ، قال : قلت : فما بالهم اختلفوا ؟ فقال : « أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول الله صلّى الله عليه وآله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ، ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب ، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً » « 1 » .
فإنّ لحن الحديث هو تصديق الصحابة فيما نقلوه عن النبيّ ، وهو وإن لم يدلّ على العدالة لكنّ إفادته التصديق ليست هيّنة ، ولو كانوا يكذبون أو كان الكذب فيهم معتدّاً به لكان من المناسب التبرير به أيضاً .
وقد حاول المجلسيُّ الأوّل تفسير الحديث بأنّه يعني احتمال النسخ ، فالحديث يمكن أن يكون منسوخاً ، لا أنّه منسوخ فعلًا دائماً ، ولهذا كان سبب الاختلاف هو النسخ خاصّة ، مستشهداً لذلك بحديث محمد بن عمارة عن الصادق أنّه قال : « ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله : أبو هريرة ، وأنس بن مالك ، وامرأة » « 2 » . وكأنّه أراد التوفيق بين الحديثين بذلك « 3 » .
إلا أنّ تفسيره فيه نظر ؛ فإنّ ظاهر إحالة الإمام سبب الاختلاف إلى ظاهرة النسخ بعد إقراره بصدقهم ، كاشفٌ عن أنّ الكذب فيهم منعدمٌ أو قليل جداً بحيث لا يستحقّ الذكر ، فحمل الحديث على إمكان النسخ خاصّةً ، فيه تجاهل لإقرار الإمام بصدقهم الظاهر في التوصيف الفعلي .
والحديث الذي يفيد تكذيب الثلاثة ضعيفُ السند ، بعدم ثبوت وثاقة كلّ من محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، ومحمّد بن زكريّا ، وجعفر بن محمّد بن عمارة ، بل ومحمّد بن عمارة نفسه أيضاً على التحقيق ، فكيف يُراد جعله قرينة أو شاهداً هنا ؟ !
هامش
( 1 ) الكافي 1 : 65 .
( 2 ) الصدوق ، الخصال : 190 .
( 3 ) روضة المتقين 12 : 204 .