بأكثر من الترحّم ، ودعوى التمييز العرفي في ذلك الزمان بحاجة إلى دليل .
نعم ، في عُرف أهل السنّة يغلب إطلاق الترضّي على الصحابة انطلاقاً من الآيات القرآنية المتحدّثة عن الرضا عن المبايعين تحت الشجرة ، وهذا التوصيف عند أهل السنّة دليل توثيق ، بل ما هو أكثر ، وفقاً لنظريّة عدالة الصحابة ، وهذا غير ما نحن فيه هنا .
وأمّا القول بأنّ هذه التعابير لا تُطلق على المتجاهر بالفسق ، فهذا لا يُثبت أنّها لا تُطلق إلا على العادل ، فالواسطة الشاسعة بين الطرفين موجودة كما هو واضح .
ثانياً : لعلّ الذي أوقع القائل بالتفصيل هنا أنه لم يلتفت - كما يبدو لي - إلى أنّ جملة : رحمه الله ، ورضي الله عنه ، وكرّم الله وجهه ، إنما هي أدعية وإنشاءات ، وليست جملًا خبريّة بمدلولها الجدّي ، فكلمة : رضي الله عنه ، معناها نسأل الله له أن يرضى عنه ويقبله لا أنّه مقبول عند الله ، تماماً كما نقول : اللهم ارحمه ، لا أنّه مأخوذ بوصفه مرحوماً وقد نزلت عليه حقّاً الرحمة الإلهيّة .
ثالثاً : يُفترض هنا الأخذ بعين الاعتبار أنّ الرضى الوارد في الآية ، وإن قيل فيه بأن يعطيهم الثواب وهو لا يلازم الذنب ، إلا أنّ الجملة خبريّة والمدح الذي فيها أنّها تُخبر عن رضا الله وقبوله لهؤلاء المؤمنين ، وهذا غير الدعاء لهم بأن يرضى الله عنهم ويقبلهم ، فإنّ هذا يجامع كونهم ممن خلطوا عملًا صالحاً وآخر سيئاً .
رابعاً : إنّ الترضّي والترحّم - ولو كثيراً - على الأستاذ والشيخ والوالد والوالدة ومن له فضل على الإنسان من الأمور الراجحة جداً حتى بنظر العرف ، وإن لم ترَ في هؤلاء أنّهم ثقات وعدول ، فتترحّم على والدك حتى لو كان فاسقاً وتطلب رضا الله عنه وإن كان كذلك ، والأستاذ والدٌ روحي وعلمي ، فأيّ مانع من الترحّم على هؤلاء الذي قدّموا خدمات في الجملة وإن لم يكونوا جميعاً عدولًا أو ثقاتاً ، لا سيما بعد الموت ، حيث وردت النصوص بالعطف على موتاكم وذكر محاسنهم وما شابه ذلك ، خاصّة لو كانت جهة الكذب في هذا الشيخ ناشئةً من دافع دينيّ كالكذب في فضائل الأعمال أو على الأقلّ التسامح فيها .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 354
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٥٤