كما وقع لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر ، هذا فضلًا عن العرف .
والأوضح من ذلك ما ذهب إليه بعضهم من كفاية الرؤية ولو من دون تمييز ، ومثاله محمد بن أبي بكر الذي ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وبضعة أيام « 1 » ، فكيف يُطلق لغةً وعرفاً على مثله أنّه من أصحاب النبي ؟
وأوضح من ذلك أخذ عنوان إدراك زمن النبي ولو لم يره ، فلا العرف ولا اللغة تقبل بإطلاق وصف الصحابي أو الصاحب على مثل هذا الشخص .
وبهذا يظهر أنّ اللغة والعرف لا يساعدان على التفسير الرابع والخامس أيضاً هنا .
أما الشرع ، فالذي يبدو مستنداً لهذا التعريف الذي اختاره الإمام البخاري ، ما ورد في صحيح مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : « يأتي على الناس زمان يغزو فئام « 2 » من الناس ، فيقال لهم : فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقولون : نعم ، فيفتح لهم . . » « 3 » . فهي دالّة على كفاية الرؤية في تحقّق دخول الجنّة ، مما يعني أنّ عنوان الصحابي شاملٌ - شرعاً - لكلّ من رأى النبي .
إلا أنّ الاستدلال بهذه الرواية غير صحيح ، وذلك :
أ - لورودها بصيغة « من صحب رسول الله » ، بدل « من رأى » ، في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما « 4 » ، ومع تردّد الحديث بين صيغتين يصعب الوثوق بواحدة معيّنة منهما ، فيؤخذ بالقدر المتيقّن ، وهو هنا عنوان الصحبة دون الرؤية .
ب - ما ذكره بعض المعاصرين ، من أنّ هذا الحديث لو كان مرجعاً شرعيّاً في كفاية الرؤية ، لشمل - شرعاً - الكافرين والمنافقين ، مع أنّهم لا يلتزمون بذلك « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 7 : 2 .
( 2 ) الفئام : الجماعة من الناس ، لا واحد له من لفظه . انظر : لسان العرب 12 : 447 - 448 .
( 3 ) صحيح مسلم 7 : 184 .
( 4 ) صحيح البخاري 4 : 175 ، 188 - 189 ؛ وصحيح مسلم 7 : 184 ؛ ومسند ابن حنبل 3 : 7 .
( 5 ) انظر : حسن بن فرحان المالكي ، الصحبة والصحابة : 117 .