لا على العلوم الإشراقيّة اللدنية ، ولهذا كان يقضي بالأيمان والبيّنات ، فقد يعرف شخصاً بعلومه الخاصّة ، لكن يكون مستوراً بحسب العلوم الظاهريّة ، والعبرة بالظاهر كما هو واضح ، وتُحمل الآية على العلوم الظاهريّة ، وإن كان في نفسه بعيداً ، فيكون الجواب المختار هو رفض مبنى العلم الغيبي النبويّ الشامل .
وأمّا مسألة حذيفة - مع أنّ بحثنا الآن قرآنيٌّ - فلا مانع من إرادة الغالب ، لا معرفته بتمام المنافقين ، علماً أنّ لها إشارات خاصّة في خصوص مسألة حادثة العقبة ، سيأتي الحديث عنها .
نعم ، ثمّة آية قرآنية قد تشير إلى معرفة النبي بأمر بعض من في قلبه مرض ، قال تعالى :
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ * وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ )
( محمد 29 - 31 ) ، بناءً على أنّ ( ولتعرفنّهم في لحن القول ) غير مرتبطة بالجملة السابقة المعلّقة على المشيئة الإلهيّة ، فتأمّل جيّداً .
ومع كون السياق السابق على هذه الآيات يقرّبنا من مفهوم النفاق ، وبصرف النظر عن احتمال أنّ المراد بالآية غير المنافقين ، لا تستطيع هذه الآيات إثبات معرفة النبيّ بجميع المنافقين قاطبةً من إخبارها بالمعرفة بلحن القول ؛ لأنّ آية سورة التوبة أصرح في نفي العلم منها ، فيكون المراد المعرفة الغالبة مع بقاء بعض من لا يعرفه النبيّ ، أو يحمل الأعراب المنافقون وبعض أهل المدينة ممّن لا يعرفهم النبيّ على أنهم لم يكونوا يتواصلون معه ، حتى يُلاحظ لحن قولهم فيعرفهم من خلاله ، وبهذا يجمع بين الآيتين بناءً على حمل الثانية - سورة محمد - على المنافقين .
إذن ، لا يوجد أيّ معطى قرآني يُثبت الانكشاف التامّ لتمام المنافقين ، نعم سورة التوبة وغيرها تكشف حجماً كبيراً منهم ومن صفاتهم وأعمالهم ، لكن لا موجب فيها يفضي بنا إلى ضرورة الالتزام بانكشافهم جميعاً ، بل الشاهد القرآنيّ على عدم انكشافهم جميعاً كما جاء في سورة التوبة نفسها ، لكنّ كلّ فكرة المنافقين لا تستطيع إثبات عدم عدالة بعض