آيات أخرى أنه ليس من المفترض بالمؤمن أن يعيش همّ عدم اهتداء الناس ويذيب نفسه بسبب وجود الضلال ولو سمّى ذلك تحرّقاً على الدين وغيرةً عليه ، بل المطلوب القيام بالواجب الدعوى فإن اهتدى الناس فهذا من الخير الذي رزقهم الله إياه ، وإن ضلّوا ولم يسمعوا لقوله ؛ فلا يُحرق أعصابه ويذيب جسده ويحمل همّه ويعيش غمّه ، بل يكمل حياته بطريق طبيعي ، ليس لأنه لا يغار على الدين ولا يتحمّس له أو أنه غير مبالٍ بأمره ، بل لأنه يقوم بوظيفته ببرودة أعصاب ، فيجمع بين هذه البرودة وبين القيام بواجبه الديني في هداية الناس وأمرهم ونهيهم .
وقد أدّب الله نبيه مراراً بهذا الأدب ؛ فقال تعالى :
( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً )
( الكهف : 6 ) ؛ وقال سبحانه :
( لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ )
( الشعراء : 3 - 4 ) ، فهذه الآية تحذّر النبي من أن يتلف أعصابه وذاته لأجلهم ؛ فما دمت تؤدي واجبك في هدايتهم ، فلا يهمّك بعد هذا أمرهم ، وإنما المطلوب أن تكون حاملًا لعذرك أمام الله في أعمال نفسك ؛ ولهذا يلاحظ في مطلع سورة الشعراء أنّ القرآن أعقب تحذيره للنبي بأن الله لو أراد أن ينفَعِلَ مثلَك أو يغضب أو يذهب بنفسه لنزّل عليهم آيةً من السماء وحسم الأمور ، لكن لأنّ السياسة الإلهية مع الناس مختلفة ، لهذا لا تجد مثل ذلك ، بل تجد الإمهال دون الإهمال . وقال تعالى أيضاً :
( أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ )
( فاطر : 8 ) ؛ فالهداية بيد الله وليست بيدنا نحن ؛ لهذا فالمطلوب أداء الواجب دون حاجة إلى إذهاب النفس بالحسرة والهمّ والغم من عدم هدايتهم ؛ ولهذا قال تعالى :
( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ )
( النحل : 37 ) . . وهذه هي قمّة التوكل على الله وربط الأمور بالقوانين التي وضعها الله في