ولكن هذا التمييز غير واضح ولا شاهد عليه ، بل عكسه أقرب منه ولو بقرينة :
( . . أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . . )
الواردة في الآية السادسة ؛ حيث تجعل خيريّة الأمّة المنطلقة من وصف الآمرية والناهوية مرتبطةً بكونها للناس ، بما يشي بالبعد الخارجي دون الداخلي .
التخريج السابع : ما قد يفهم من كلمات العلامة محمد حسين فضل الله « 1 » ، وحاصله - بعبارتنا - أنّ الآيتين تبيّنان الحكم من حيث المبدأ ومساحة التكليف من ناحية المكلّفين في الحدّ الأدنى والأعلى ؛ فالأولى تدلّ على وجوب وجود مجموعة في الأمة تعنى بهذه الفريضة ، وهذا هو الحدّ الأدنى الذي يطالب به المسلمون ، فيما الآية الثانية تفرض وجوب ذلك على الأمّة كلها ، وهذا هو الحدّ الأعلى عندما تقتضي الحاجة أن يتحوّل التكليف من الكفائية إلى العينية على كلّ فرد ، فالآيتان تحدّدان الحكم من ناحية الحدّ الأدنى والأعلى ، ولا تناقض بينهما ولا تنافر .
وهذا التخريج جيّد في حدّ نفسه ، لكنّه يحتاج إلى شاهد ، لأنّ فيه تقييداً لمثل آية :
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ . . )
بحالة الحاجة الشديدة التي تستدعي مساهمة كلّ مسلم ، علماً أنّ عنوان الأمّة ليس عنواناً يقتضي العينية بالضرورة أو يلازمه ، بل يمكن أن ينسجم - أيضاً - مع الكفائية عندما تطال عدداً كبيراً جداً من الأمّة ، ولو لم يبلغ الأمر حدّ العينية ، لصدق وصف الجماعة بملاحظة الحالة الغالبة كما سوف يأتي بعون الله تعالى ؛ فهذا الحلّ يفترض بعض التقديرات غير المتوفرة في النصوص .
التخريج الثامن : أن نفترض عدم وجود أيّ تنافر بين الخطابات القرآنية ، وذلك أن الآيات العامة تفرض على كل فرد مسلم - كونه أحد أفراد الأمة المسلمة - أن يساهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بأيّ طريقةٍ كانت مساهمته ، وبهذه الطريقة ، وعندما يطبّق كل فرد مسلم - بحسب الظروف التي تحيط به وتَحَقُّقِ
هامش
( 1 ) راجع : محمد حسين فضل الله ، تفسير من وحي القرآن 6 : 201 - 202 ، 205 - 206 .