شروط وجوب الأمر والنهي ، وهذا ما لا ينسجم مع النتيجة الفقهية السائدة في الفقه الإسلامي والقائمة على نظرية الوجوب الكفائي ، وهي النظرية التي يؤمن بها حتى أنصار هذا التخريج ؛ فكيف جمعوا بين النتيجة الفقهية والتفسيرية ؟ !
التخريج الرابع : أن نفترض أن المشكلة الرئيسة التي سبّبت هذا الارتباك ترجع إلى تحديد معنى « من » الواردة في الآية الأولى ، فهل هي للتبعيض أم لتخصيص المخاطبين من بين سائر الأجناس ؟
أ - إذا كانت « من » للتبعيض ، فيكون المعنى أنه ليكن بعضكم مكلّفاً بفريضة الأمر والنهي ؛ وحيث إننا استبعدنا هنا - كما تقدم - البعضية غير المتعيّنة ، أي دلالة الكفائية من الآية ، يتعيّن البعضية المعيّنة ، أي مجموعة خاصّة من الأمة ، ننظر لاحقاً في من تكون هذه المجموعة . وهنا يأتي سؤال التناغم بين هذه الآية وسائر آيات هذه الفريضة في القرآن من حيث عدم وجود هذا اللحن فيها .
ب - وأما إذا كانت « من » للتبيين أو لتخصيص الجنس ، فتكون مثل قوله تعالى :
( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ )
( الحج : 30 ) ؛ فإنه لا يراد هنا تنويع الأوثان إلى ما هو رجس وما ليس برجس ، فكلّ الأوثان رجس - كما قيل - وإنما يراد بيان أن الرجس المأمورين باجتنابه هنا من جنس الأوثان « 1 » .
وتطبيق ذلك على الآية هنا أن يكون المعنى : ولتكن من المسلمين أمة تدعو للخير ، أي كونوا أمةً تدعو للخير ، كما نقول لهم : أيها المسلمون ! فلتكن منكم أمة مجاهدة تواجه العدوان ؛ وبناءً على هذا الافتراض لا يوجد أيّ تنافٍ بين هذه الآية وآيات الأمر والنهي الأخرى الواردة في الكتاب العزيز .
وربما يكون هذا التخريج من التخريجات الجيّدة من حيث جذرية الحلّ الذي فيه ، وتدعمه سائر الآيات وبعض الروايات التي يفهم منها أن الآية شاملة لجميع
هامش
( 1 ) انظر : الطبرسي ، جوامع الجامع 1 : 315 ؛ والراوندي ، فقه القرآن 1 : 358 .