تذكيرهم ، فهو لا يريد هنا اشتراط الوجوب بالنفع ، بل الوجوب مطلق ، والعبارة الثانية جاءت للتوبيخ أو الذم أو التعريض بهم ، كما يقول الآيس من شيء أو من شفاء مريض : فلنقم بهذا العمل الفلاني في حقه ، هذا إذا نفع ، فليس في الآية ظهوراً في الشرط القانوني . وهذا ما ينسجم مع سائر آيات القرآن الكريم ؛ ولهذا أعقبت الآية بأنّ الذي سوف يستفيد هو من يخشى دون الأشقى ، وهذا معناه أنّ عليك التذكير مطلقاً ، أما أين تظهر ثمراته ؟ ففي الذين توجد الخشية في قلوبهم ، أي هناك طينة وقابلية للصلاح في قرارة نفوسهم ، وهذا هو معنى التذكير بالقرآن لمن يخاف الوعيد ، أي لذاك الذي توجد في نفسه قابلية وروح الخوف من الوعيد ، وإلا فإذا اختصّ التذكير بالقرآن بالمؤمنين سلفاً فما معنى الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام ؟ ! والقرآن قال عنهم - مع أنّ الدعوة قائمة - :
( بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ )
( الصافات : 12 - 13 ) ، وبهذا يجمع القرآن بين محض احتمال التأثير وبين بُعد الاحتمال شديداً ؛ فمع أنه يستبعد ذلك في آيات ، غير أنّه يأمر بالتذكير واضعاً صرف الاحتمال في آيات أخَر فيقول :
( وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
( البقرة : 221 ) ، ويقول :
( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
( إبراهيم : 25 ) ، ويقول :
( لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
( القصص : 51 ) ، وقال تعالى :
( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
( الدخان : 58 ) ، وغيرها من الآيات العديدة .
يشار أخيراً إلى أنّ هناك دلالات هامّة في قصّة أصحاب السبت ، من حيث رفع شرط احتمال التأثير ببعض مدياته ، وسيأتي التعرّض لها - بعون الله تعالى - قريباً .
هذا كلّه على خطّ شرط احتمال التأثير ، ويستفاد منه أنّ المطلوب أصل وجود هذا الاحتمال ولو كان ضعيفاً ، أمّا على صعيد شرط الأمن من الضرر ، فقد يستفاد من الآية الرابعة هنا ، وهي آية وصية لقمان لابنه . . ارتباط الأمر والنهي بالصبر ؛ لذكره عقبهما مباشرةً ، مما يوحي بأن هذه الوظيفة تحتاج إلى صبر طويل وإلى حلم