لاكتشاف موقف صاحب الشريعة نفسها التي نبحث في دائرتها القانونية ومساحة اشتغالها التشريعي ، فأوّل ما ينبغي التوقّف عنده هو النصّ القرآني الذي يمثل المعبّر الأفضل عن موقف صاحب الشرع ، فهل هناك من تصريحات أو تلويحات قرآنية بدائرة الشريعة التي أتت بها السماء وأبلغتها للرسول محمّد لكي يبلغها للناس أو لا ؟ هذا هو السؤال الذي نبحث عن إجابةٍ له حاليّاً .
ولابدّ لنا - بدايةً - أن نشير إلى محاولة بعض الباحثين المعاصرين اعتبار الاستناد إلى الأدلّة النقليّة هنا ، أمراً دوريّاً « 1 » ، ولكنّني لم أفهم وجه الدور المنطقي في هذا المقاربة النصيّة ؛ فلماذا لا يصحّ لمن يؤمن بمرجعيّة النصّ أن يُثبت شمولية الشريعة الواقعيّة من خلال النصّ النفسه ؟ ولماذا يجب إثبات دائرة الشريعة من خارج نطاق النصوص الدينيّة حصراً ؟ تبدو لي هذه القراءة غير دقيقة .
وعلى أيّة حال ، توجد هنا عدّة محاولات للانتصار لمقولة وجود موقف قرآنيّ إيجابي من قضيّة الشمول القانوني ، وأهم ما يمكن طرحه هو الآتي :
1 - مفهوم كمال الدين ، والعبور نحو الشموليّة
الدليل الأوّل هنا هو ما يلوح من كلمات كثيرين مثل الدكتور عمر سليمان الأشقر والسيّد علي السيستاني والشيخ محمّد هادي معرفت والشيخ ناصر مكارم الشيرازي وغيرهم ، من الاستناد إلى أدلّة كمال الشريعة في القرآن الكريم ، كقوله تعالى :
( . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي . . )
( المائدة : 3 ) ، فإنّه لو لم يكن لهذه الشريعة قدرة الشمول لتمام وقائع الحياة لم تكن كاملة ، وهذا ما يقع على النقيض من نصوص كمالها « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : محمّد مصطفوي ، فلسفة الفقه ، دراسة في الأسس المنهجيّة للفقه الإسلامي : 172 .
( 2 ) انظر : عمر سليمان الأشقر ، خصائص الشريعة الإسلاميّة : 51 - 52 ؛ والسيستاني ، قاعدة لا ضرر ولا ضرار : 292 ؛ وناصر مكارم الشيرازي ، شموليّة الشريعة ، نقد نظرية الفراغ القانوني في الإسلام ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 38 - 39 : 19 ؛ وعبد الله نصري ، الدين بين الحدود والتوقّع : 71 - 72 ؛ ومحمد تقي جعفري ، فلسفه دين : 157 - 158 ؛ ومعرفت ، حوار حول جامعيّة القرآن ، مجلّة نامه مفيد ، العدد 6 : 5 ؛ وعلي رضا بيروزمند ، قلمرو دين : 149 - 156 ؛ ومحسن عباس نجاد ، علم ديني : 62 - 63 .