الاستدلال .
ولكنّ هذا الاستدلال يعاني هو الآخر من مشاكل ، أبرزها :
المشكلة الأولى : ما طرحه السيد الخميني ، ويظهر من الميرزا هاشم الآملي ، من أنّ هذه الملازمة تتمّ في الأفعال التي تكون محرّمةً أو مكروهةً أو مستحبّة أو واجبة أو مباحة بالإباحة الاقتضائيّة ، أمّا المباح غير الاقتضائي فإنّه لا توجد فيه مصالح ومفاسد ، بل هو عينه الخلوّ من المصالح والمفاسد ، والإباحة العقليّة ليست محلّ كلامنا ، بل الإباحة الشرعيّة هي مورد البحث .
يقول السيد الخميني : لم يقم دليل على عدم خلوّ الواقعة عن الحكم ، بل الدليل على خلافه ، فإنّ الواقعة لو لم يكن لها اقتضاء أصلًا ، ولم يكن لجعل الإباحة - أيضاً - مصلحة ، فلابدّ وأن لا تكون محكومةً بحكم ، والإباحة العقليّة غير الشرعيّة المدّعاة . . « 1 » .
وقد حاول بعض المعاصرين تفكيك هذه المشكلة عبر القول بأنّ الإباحة تقف خلفها مصلحة ، وهي مصلحة التسهيل وإرخاء العنان للمكلّفين واقعاً في هذه المساحة ، وبهذا لا تكون الإباحة عنده إلا اقتضائيّةً ، وإن لم يُقبل هذا فيكفي مصلحةً أن يتمكّن العبد من نسبة الفعل أو الترك إلى المولى سبحانه ، فكما عندما يفعل الواجبَ يُسنده إلى الوجوب الإلهي ، كذلك عندما يفعل المباح ، وبهذا نثبت تحقّق الإرادة أو الكراهة من المولى دائماً ، أي سواء كانت هناك مصلحة أو مفسدة ، ولا يقع فعلٌ إلا ويحمل مصلحةً أو مفسدة « 2 » .
وهذه المحاولة التفكيكيّة مبنائيّة ، وترجع إلى إنكار وجود المباح غير الاقتضائي ، لكن يمكن التعليق :
أ - إنّ وجود المباح في الجملة لا شكّ في كونه ذا مصلحة ، إلا أنّ الجزم بكون كلّ مباح تكمن خلفه مصلحة التسهيل أو إطلاق العنان وأنّه ما من مباح واقعي إلا وهو لأجل مصلحة التسهيل ، يبدو لي أمراً صعباً ؛ ففي بعض الموارد لا يرى المقنّن أيّ ضير في كون المكلّف في هذا المورد أو ذاك مطلق العنان أو مقيّداً ، لكنّه يُطلقه لأنّه لا يجد مبرّراً للتقييد ، لا لأنّه يجد ما يبعثه ويحثّه على الإطلاق ، ويمكن مراجعة الوجدان للتأكّد من هذا ومراقبة عمل المقنّنين
هامش
( 1 ) مناهج الوصول إلى علم الأصول 2 : 18 - 19 ؛ وانظر له أيضاً : تهذيب الوصول 1 : 235 ؛ ومعتمد الأصول 1 : 123 ؛ وانظر كذلك : هاشم الآملي ، مجمع الأفكار 1 : 322 .
( 2 ) انظر : قاعدة نفي الخلوّ ، مجلّة بجوهشهاي أصولي ، العدد 7 : 188 - 193 .