أنّه ما دام المورد من موارد حكم العقل بعد الكسر والانكسار فهذا يثبت أنّ العقل لو فرض اطّلاعه على تمام حيثيّات الموضوع وحصل عنده الكسر والانكسار فسوف يحكم بالحسن والقبح ، ولو سلّمنا بهذه القضيّة ، ثم آمنّا بقانون الملازمة فسوف تثبت وجود حكم شرعي في مثل هذه الموارد ، لكنّ السؤال في محل بحثنا ليس أصل هذه الملازمة بنحو القضيّة المهملة ، وإنّما عنصر الإطلاق فيها ، بمعنى كيف لي أن أعرف الآن أنّه بعد الكسر والانكسار لن يتوصّل العقل إلى عدم وجود حسن ولا قبح في بعض الأفعال ، ومن ثمّ فلا تكون هذه الأفعال مشمولة لقانون الملازمة حتى نفرض في موردها حكماً شرعيّاً ؟
وهذا الكلام يُثبت - لم تمّ - كون بعض ( المباحات ) الواقعيّة على الأقلّ لا حكم لله فيها ، واللافت أنّ الشيخ لاريجاني نفسه - وقد لاحظتُ ذلك بعد أن سجّلتُ هذا الإشكال هنا - يقبل بهذا الإشكال لاحقاً بوصفه نقضاً على أصل الاستدلال بقانون الملازمة هنا ، بل الأغرب أنّ لاريجاني في آخر البحث يتبنّى فكرة المزاحم ، ويصبّها في مستوى جعل الخطاب ، لا في مستوى الإرادة والكراهة وتحقّقهما « 1 » ، ولو صحّ هذا عنده لكان الأولى به أن يشكل على الخراساني بأصل القضيّة ، وهي تساوي الحكم مع إرادته دون جعل شرعي بداعي البعث والزجر ، مع أنّه كان أقرّ سابقاً بأنّ روح الحكم في الملاك والإرادة ، وجعل هذا المستوى من الحكم داخلًا في قضيّة البحث في قانون الشمول التشريعي !
وبعبارة أخرى : إنّ إيراده الأخير بإبطال كليّة الحُسن والقبح في الأفعال تارةً وعدم التلازم بينهما وبين جعل الخطاب بداعي البعث أو الزجر أخرى ، كان ينبغي لهما أن يعيدا تشكيل مناقشاته للخراساني بشكل أفضل .
لكن مع هذا كلّه ، إنّما يعيق جوابُنا الأوّل هذا إحدى صور الشمول التشريعي ، ولا يعيق كلّ الصور ؛ لأنّ معنى ذلك أنّ هذه ( المباحات ) الواقعيّة لا معنى ولا مبرّر لجعل قوانين فيها ، بناءً على القول بأنّ جعل القوانين تابعٌ حصراً للحسن والقبح ، فلا يثبت في موردها مرجعيّة قانونية غير الله سبحانه ، وهذه إحدى صيغ فكرة الشمول .
الجواب الثاني : قد قلنا بأنّ مرتبة روح الحكم - وهي محض العلم والإرادة - لا يهمّنا ثبوتها ما لم يؤسّس أو يجعل المولى حكماً على وفقها ، وقد حصل هنا خلطٌ بين إرادة المولى وحكمه
هامش
( 1 ) انظر : المصدر نفسه ، العدد 7 : 187 - 188 .