على محاولة الربط التي سعى لها بعضهم بين الخلود والشموليّة « 1 » ، حيث افترض أنّ مقتضى خلود الشريعة هو كونها شاملة تغطّي تمام وقائع الحياة وميادينها ، وهذا ربطٌ غير واضح منطقيّاً ؛ فلماذا إذا كانت الشريعة خالدةً فهي شاملة ؟ وما الذي يمنع عقلانيّاً من خلود شريعةٍ لا تدّعي أنّها تغطّي تمام الوقائع ومختلف الميادين والساحات ؟
2 - حكم العقل بعدم خلوّ الوقائع ، المحاولة المجملة للمحقّق النراقي
ثاني الأدلّة على شمولية الشريعة هو ما ذكره المحقّق النراقي ، من أنّ العقل حاكمٌ بعدم تحقّق واقعة إلا ولها حكم « 2 » .
ولم يشرح لنا النراقي تقريب حكم العقل بذلك ، وكيف كانت عملية حكم العقل هنا ، ولعلّ مراده أنّ أيّ حدثٍ من الحوادث لا يخلو إما أن يكون حسناً أو قبيحاً أو يتساوى حُسنه وقبحه ، ولنقل : لا يخلو أيّ فعلٍ إمّا أن يكون راجحاً أو مرجوحاً أو تتساوى فيه الجهات فلا هو بالراجح ولا بالمرجوح :
أ - وعلى الأوّل ( رجحان الفعل ) إمّا أن يكون رجحانه شديداً بحيث يكون تركه قبيحاً فهو الواجب ، أو لا يكون كذلك فهو المستحبّ .
ب - وعلى الثاني ( مرجوحيّة الفعل ) إمّا أن تكون مرجوحيّته شديدة بحيث يكون الإتيان به قبيحاً فهو الحرام ، وإلا فالمكروه .
ج - على التقدير الثالث والأخير ( التساوي ) فهو المباح .
ولا توجد حالة أخرى في علم الله تعالى ، فلابدّ من فرض موقفٍ إلهيّ في البَين ، وليس إلا هذه ، ومعه يكون الموقف الإلهيّ بالضرورة أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة .
وبعبارة أخرى - وفق كلام بعض الباحثين المعاصرين - : إنّ التشريع الإلهي هو الموقف الذي يتخذه الشارع تجاه سلوكٍ معيّن ، وحيث إنّ الشارع تعالى عالمٌ بكلّ وقائع الحياة وتفاصيلها ، فلابدّ أن يكون له موقف من كلّ واقعة أو فعل ؛ إذ لا معنى لعلمه التامّ بها مع خلوّ
هامش
( 1 ) انظر : عبد الولي بن عبد الواحد الشلفي ، القراءات المعاصرة والفقه الإسلامي ، مقدّمات في الخطاب والمنهج : 307 ؛ وسجاد ايزدهي ، نقد نگرش هاى حدّ اقلى در فقه سياسي : 112 - 115 .
( 2 ) راجع : النراقي ، عوائد الأيّام : 365 ؛ وأياد المنصوري ، نظريّة التزاحم الحفظي : 77 - 79 .