إمام الحرمين الجويني ( 478 ه - ) فيما ينسب له : معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد ولا تفي الشريعة بعشر معشارها « 1 » ، ومراده من الاجتهاد هنا القياس فقد كان بصدد الدفاع عنه ، وقال الغزالي ( 505 ه - ) : . . بالضرورة يُعلم من اجتهادهم واختلافهم ( يقصد الصحابة ) أنّ النصوص لم تكن محيطة ، فدلّ هذا أنّهم كانوا متعبّدين بالاجتهاد « 2 » .
فيما لجأ فريقٌ آخر من الفقهاء والأصوليّين إلى نظريّة الثنائية التي تعتمد تارةً مبدأ العموم والإطلاق في النصوص ، وأخرى مبدأ الأصول العمليّة ، مثل أصل البراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير ، حيث قالوا بأنّ الأصول العمليّة تحدّد الوظيفة العمليّة للمكلّف في ظلّ غياب المعرفة بالوظيفة الواقعيّة القائمة في أصل الشرع ، وأنّ هذه الأصول العمليّة الأربعة لها قدرة استيعاب تمام الوقائع ؛ لأنّ تمام الوقائع تخضع لتقسيم عقلي حاصر تشتمله هذه الأصول الأربعة ، كما ألمحنا إلى ذلك من قبل .
لكنّنا لو تأمّلنا قليلًا ، سنجد هذا السؤال مبنيّاً على جوابٍ محدّد عن سؤال آخر افتُرض مسلّماً واضحاً في الخلفيّات المعرفيّة للمفكّر المسلم وهو : هل تستوعب الشريعة تمام وقائع الحياة بالفعل ؟ وإذا كانت تستوعبها فما معنى هذا الاستيعاب ؟
إذن ، فنحن أمام سؤالين جوهريّين : أصل الاستيعاب ، وكيفيّته ، وما لم نجب عن هذين التساؤلين ، فلن نستطيع الدخول في اجتهادٍ إسلامي يغطّي الحياة الإنسانيّة ، بل سيكون الفقه الفردي والمجتمعي وفقه النظريّة و . . أمام تحدٍّ كبير .
والذي يظهر من ممارسة الفقيه والمفكّر المسلم أنّ شمول الشريعة لكلّ وقائع الحياة عبارة عن مصادرة قبليّة مفروغ منها « 3 » ، بل افترضت مسلّمة معروفة بديهيّة مؤكَّدة بوضوح « 4 » ، متسالمٌ على صحّتها بين علماء المسلمين بمختلف مذاهبهم ، وأنّها قاعدة عرفها كلّ فقيه « 5 » ، لكن الملفت
هامش
( 1 ) انظر : الزركشي ، البحر المحيط في أصول الفقه 3 : 519 .
( 2 ) المستصفى : 296 .
( 3 ) نترك حالياً التيّار الذي يُنسب إليه نفي الاعتقاد بالشمول مثل المصوِّبة وغيرهم ، حيث سيأتي الكلام فيه بحول الله تعالى .
( 4 ) راجع : الحكيم ، الأصول العامّة للفقه المقارن : 230 ؛ والصدر ، المدرسة الإسلاميّة : 144 .
( 5 ) انظر : محمّد الصدر ، ما وراء الفقه 1 : 43 ، و 4 : 6 . ولعلّ السيد محمّد الصدر من أكثر الفقهاء والعلماء