على الأقلّ ، ولهذا فكلّما ابتعدنا عن عصر النصّ ونزول القرآن الكريم غابت عنّا اللغة وسياقاتها ، وغاب عنّا التاريخ الذي نزل النصّ فيه ، ولهذا تغيب عنّا الكثير من القرائن ويصبح من الوهم عملياً تصوّر أننا فهمنا النصّ ، فالمعاجم اللغوية نفسها هي اجتهادات مختلطة بين اللغة والعلوم الدينية ، ولهذا من الصعب حصول معرفة تفسيرية أساساً .
وهذا المنهج الانسدادي في المعرفة لا يختصّ - على خلاف المنهج الأول - بالقرآن الكريم ، بل هو يشمل السنّة والحديث أيضاً ؛ لاشتراك الجميع في أزمة اللغة وتحوّلاتها وضياع قرائنها وسياقاتها ، وفي أزمة البعد عن التاريخ الحافّ بنزول أو صدور النصوص .
وهذه الفكرة التي تطرحها بعض الدراسات اللسانية والهرمنوطيقية الحديثة تجعل من المستحيل عملياً فهم مراد المتكلّم بعد الفاصل التاريخي واللغوي معه ، وهي فكرة تلتقي فيها بعض الالتقاء المدرسة الأصولية الانسدادية مع التأويّلية الحديثية ، فالانسداديون بقولهم باختصاص الخطاب بالمشافهين أو بالمقصودين بالإفهام أثاروا هناك سلسلة تشكيكات جعلت فهم ( أو حجية ) النصّ مستحيلًا عملياً ، ولهذا رفضوا الظهورات والآحاد معاً تقريباً .
ولابدّ لي أن أشير هنا إلى أنّ القضية ليست قضية حجيّة ظهور فقط ، بل هي قضية واقعيّة ؛ لأنّ التأويلية لا يهمها موضوع الحجج ، بل كلامها في إمكان المعرفة وعدمه ، فلا يصحّ أن أناقشها - كما فعل بعضٌ - بأنّ العقلاء جروا على فهم النصوص القديمة والشارع سكت عن ذلك ، مما يفهم منه حجيّة تفسيرهم وطريقتهم في فهم النصوص . . فالموضوع ليس سكوت الشارع ، إنما هو في أنّ ما أفهمه من النصوص
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 76
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٦