دراسةً فلسفية لتجربته الشخصية خلال ربع قرن مثلًا بعيون منفتحة من هذا النوع فقد يلاحظ أنّه أخطأ أو انجرف أو انحاز هنا أو هناك خضوعاً لأشكال الضغط الاجتماعي أو الفكري . . وهو يظنّ أنه كان يقوم بنشاط معرفي صرف .
ومن أبرز الأمثلة على هذا الأمر ، محاولة بعض المفسّرين الاشتغال على التفسير العلمي للقرآن الكريم في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين - بل بعضهم إلى يومنا هذا - نتيجة ضغط العلوم الطبيعية وتطوّراتها في الغرب ، واليوم بعد أن انجلت تلك الغبرة وخفّ ذلك الضغط بتنا نلاحظ درجة التأويل المفرط الذي مارسه مفسّرو ذلك العصر ، ولما جاءت الحركة الإسلامية وما تلاها وجدنا ضغط العلوم الإنسانية ورأينا الفقه يتّجه لمجاراة النزعة الحقوقية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية وهكذا . .
إنّ هذه الملاحظات تضع الفقيه أو تفسح له المجال في أن يقرأ ذاته الفردية والجماعية بصورة متجرّدة أكثر وكفى بها فائدة . وإذا لم يقرأها هو فإنّ فلسفة الفقه تسمح للآخرين بقراءة تجربة الفقيه بحيث يلتفت من خلالها إلى مثل هذه الأمور . ونحن لا ندّعي أنّ فيلسوف الفقه يمكنه اكتشاف كلّ الخلفيات أو أنّه مصيب في كلّ ما يقول .
ولا يعني كلامنا إطلاقاً أنّ كلّ الأفكار هي وليدة عوامل حافّة بالمفكّر وليست وليدة أفكار ، وإذا انزلق فلاسفة الفقه ومؤرّخوه أحياناً في التفتيش عن أسباب هامشية خارجيّة للأفكار بطريقة مضحكة كما يرى بعض العلماء الباحثين « 1 » ، فهذا لا يعني أنّ الدراسة الخارجية فيها مزالق ، فيما نحيّد الدراسة الداخلية ( الفكر وليد فكر )
هامش
( 1 ) انظر : خالد الغفوري ، فلسفة الفقه ، مجلّة فقه أهل البيت ، العدد 18 : 7 .