تشريعه ، فيُصدر - مثلًا - الأحكام بشكل تدريجي ، كأن يسنّ العام ليؤسّسه قانوناً ، ثم يذكر لاحقاً الاستثناءات الجزئية التي تقوم بتعديل ما قدّمه العام .
3 - 2 - 2 - إمكان النسخ
من الطبيعي أنّ عامّة المسلمين - إلا من شذّ كما نُقل - يرون النسخَ ظاهرةً ممكنةً من الناحية الكلاميّة ؛ لأنّ قوام شريعتهم على النسخ ؛ فإنّهم يقولون بأنّ شريعة محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم نسخت الشرائع السابقة ، ولهذا فإنّ من ناقش في إمكان النسخ نجده عادةً من اليهود وأمثالهم كما نُسب إليهم .
وقد أثاروا في ذلك الإشكاليّة التالية ، حيث قالوا بأنّ الحكيم تبارك وتعالى بتشريعه الحكمَ الأوّل يكون قد لاحظ مصلحةً في ذلك ، وعليه فنسخه واستبداله بحكم آخر يستبطن أحد أمرين لا ثالث لهما :
أ - أن يكون علمه بالمصلحة في الحكم الأوّل ثابتاً ، ومع ذلك شرّع الثاني ، وهذا لازمه ارتكابه خلاف الحكمة الإلهيّة بتشريع غير ما كانت المصلحة فيه .
ب - أو يكون ما انكشف له من المصلحة في الحكم الأوّل لا واقعيّة له ، وهذا لازمه أنّه كان جاهلًا في الحكم الأوّل جهلًا مركّباً ، وأنّه تبيّن له الحال فيما بعد . والقول بنسبة الجهل وخلاف الحكمة إلى الله سبحانه باطل . وعليه فلا يكون النسخ ممكناً في ساحته تبارك وتعالى .
وأجيب عن هذا الكلام :
أولًا : بجواب نقضي ، وهو أنّ الشواهد الكثيرة قامت بين أيدينا في التوراة على وقوع النسخ ، فكيف يفسّر أهل الكتاب ذلك ؟ فما يفسّرون به ذلك عندهم نفسّر