وأما إذا كان الواضع هو الرسول ، مما ينفتح معه احتمال مجال التوجيه الإلهي في ذلك ، كما ورد هذا الأمر في بعض المرويّات التاريخية ، فإنّه يصبح أمر سياق السورة أسهل ، فيما لو أمكن إثبات أنّ كلّ الآيات والمقاطع قد تمّ ترتيبها عن طريق الوحي الإلهيّ للنبي ، بحيث أثبتنا أنّ تعمّد هذا الترتيب من النبيّ كان بوحي إلهي يهدف إلى قصد جعل السورة وحدةً اتصاليّة حقيقيّة ، ولو لم تكن وحدةً اتصاليّة نزوليّة ، وهذا موضوع بالغ الأهميّة جدّاً ، ولولا بناء بحثنا هنا على الاختصار والتكثيف ، لخضنا في محتملات هذا الموضوع وفروعه ، فليلاحظ جيّداً .
النوع الرابع : السياق القرآني العام ، معانيه ودلالاته
ويمكن طرح أكثر من تصوّر حول السياق القرآني العام هنا ، وذلك كما يلي :
1 - أن يُقصد بالسياق القرآني العام اعتبار كلّ آيات الكتاب الكريم بمثابة قرائن متصلة محكومة بنصّ واحد صدر من شخص واحد في مجلس واحدٍ . وبهذا تتأثر كلّ الآيات القرآنية ببعضها ، ولا ينعقد لأيّ آية ظهور إلا بضم كلّ الآيات ذات الصلة إليها .
ويتفرّع على هذا التصوّر أنه لا يمكن ممارسة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم بالطرق المألوفة لدى كثير من المفسّرين ، وهي تلك الطرق التي تنظر في الآية وما قبلها وما بعدها ، وأحياناً تطلّ على بعض الآيات ذات الصلة ، بل لابد أن تفهم كلّ آية في سياق مجموع آيات الكتاب ، ويغدو التجزيئي قريباً من الموضوعي بمعنى من معاني الثاني .
إلا أنّ اعتبار النصّ القرآني وحدةً اتصاليّة بهذا المعنى يحتاج إلى إثبات ؛ لأنّه يحوّل القرآن من خطاب إلى كتاب ، فيلغي فيه خصوصيّة النجومية النزوليّة والبُعد الخطابي