أو لاحقاً .
فالنوع الأول من الدلالة هو دلالة المفردة الذي لا علاقة له بالنظم والتتابع والترابط ، بينما الدلالة الثانية ناتجة عن السياق الذي ربط بين الكلمات والجمل . فدلالة كلمة « يستحمّ » في قولنا : « رأيت أسداً يستحم » ، على إرادة الرجل الشجاع من الأسد ، هي دلالة سياقيّة ؛ لأنّ المفردة لوحدها لا تعطي هذا المعنى ، لا مفردة الأسد ولا مفردة يستحمّ ، لكن عندما جاءتا في سياق واحد أثرت الثانية في الأولى ، وهذا التأثير سياقي ؛ إذ لولا التركيب اللفظي المشار إليه لما ولدت هذه الدلالات وهذا التأثير .
خامساً : إنّ قيد « ولو ضمناً » الذي أضفناه يستطيع أن يفسّر لنا دلالة بعض القرائن على مقصود المتكلّم ، ولو لم يذكرها في كلامه ، لكنّها كانت حافّة بالكلام برمّته ، وكان المتكلّم - كالسامع - ملتفتاً التفاتاً واعياً لقرينيّة هذه القرائن ولانضمامها إلى التركيبة التي قدّمها لنا ، وهذا ما يستوعب القرائن المتصلة اللبية ، كالقرائن العقلية أو المرتكزات التي يقوم الكلام عليها بين الطرفين ، إذ قد لا يشعر المتكلم بهذا النوع من القرائن ، لكنّه يكون مقصوداً له ومبنيّاً كلامُه عليه .
سادساً : وعليه ، فالسياق هو الحاضنة والبيئة المولّدة لنظام القرائن ، ومن ثم يمكن أن يطلق بهذا المعنى على مجموعة القرائن التي أفرزتها عملية التركيب ، كما يمكن أن يطلق على البيئة الحاضنة والمولّدة لهذه القرائن نفسها أيضاً .
وبعد هذه المقدّمة العامّة الموجزة ، لابدّ من الدخول في مسألة السياق القرآني ، فمن الواضح أنّ مسألة السياق القرآني - كأيّ قضيّة سياقيّة أخرى - تلعب دوراً في فهم مراد المتكلّم ، فإنّ الجمع والضمّ لأطراف كلام المتكلّم الواحد يساعد على فهم كلامه
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 128
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٢٨