وقد سجّل بعض أنصار هذا الشاهد نقداً على أنفسهم بأنّ هذا العهد الذي تستثنيه الآية كان سابقاً على آية انسلاخ الأشهر الحرم ؛ لهذا احترمه القرآن ، والذي ندّعيه المنع من اليوم فصاعداً عن استخدام سياسة المعاهدات معهم ، واستبدالها بسياسة القتال ، وهذا غير الوفاء بمعاهدة سابقة ، فهو مثل
( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ )
( النساء : 22 ، 23 ) .
وقد أجاب الناقد نفسه بأنّ هذه الملاحظة غير واردة ؛ لأنّ المفروض أن مثل آية السيف تلغي المعاهدات السابقة ، فهذا هو سياق النصوص الأولى من سورة التوبة ، فعدم إلغائها شاهدٌ على احترامها « 1 » ، بل لا معنى للنسخ حينئذٍ .
وهذا الشاهد يمكن أن يلاحظ عليه أنّ معنى الآية ليس أنّهم لم يستقيموا لكم لكن استقيموا أنتم لهم ، كما قد يستوحى للوهلة الأولى ، بل معناها استقيموا لهم ما استقاموا لكم « 2 » ؛ فحرف « ما » هنا ليس للنفي ، بل بمعنى « ما داموا » ، وهذا المعنى ينسجم مع الواقع ؛ حيث يراد من هذه الجماعة بقية فئات العرب التي دخلت مع قريش العهد يوم الحديبية ، ولم تخلفه ، بل أخلفته قريش وبنو الدئل من بكر ، وبقيت على العهد بنو خزيمة ، وبنو مدلج ، وبنو ضمرة و . .
إذن ، وطبقاً لهذا المعنى ، تستثني الآية المعاهدات السابقة التي وفى أصحابها ، احتراماً منها للعهود ، دون أن يعني ذلك رخصة في العهود الجديدة ، ولا يوجد إلغاء للمعاهدات السابقة في غير صورة إلغاء الطرف الآخر لها أو خوف خيانته ، فالتمييز بين العهود القديمة السابقة والجديدة اللاحقة بهذا المعنى تمييز معقول ومتصوّر ، ولهذا قال أنصار الجهاد الابتدائي : إنّ هذا الاستثناء يؤكّد القاعدة ولا يلغيها .
هامش
( 1 ) فضل الله ، كتاب الجهاد : 211 .
( 2 ) راجع : الطبرسي ، مجمع البيان 5 : 14 ، وغيره من المفسّرين .