يشعر الفقيه أنه يحمل قواعد يريد إسقاطها على النصوص ؛ بل ينطلق الاجتهاد - كما سنرى - من اللغة والتاريخ بنفس الدرجة التي ينطلق فيها من قواعد أصول الفقه الإسلامي .
ولعلّ هذا ما يؤيّده كلام السيد مصطفى الخميني ؛ حين يرى أنّ مباحث الأصول إنما فصلت عن الفقه حذراً من التكرار « 1 » ؛ إذاً فالأصول من رحم الفقه ويحمل روحه وحاجاته وهمومه وأنماطه لا أنه يُخارجه ثم يسقط عليه من الأعلى . وربما لهذا التزايد التجريدي في علم الأصول رفض الإخباريون هذا العلم ؛ لما وجدوه من أنه بدأ يفارق روح القرآن والسنّة ، ويتعامل بتجريدية عقلية لم يألفها الفقه من قبل ، كما يحتمل ذلك بعض العلماء الباحثين « 2 » ، وربما لهذا أيضاً تخلّى الاتجاه العام عند أهل السنّة منذ قرابة القرنين من الزمن عن هذا النموّ التجريدي في الأصول ، والذي عرفوه قبل الشيعة الإمامية بقرون ، مع مثل كتب الخبازي وابن أمير الحاج وغيرهما .
والمؤسف أن بعض الأوساط العلمية تجعل معيار التقدّم هو حلّ المعضلات العالقة في علم أصول الفقه كاجتماع الأمر والنهي والمعنى الحرفي والعلم الإجمالي . . فيما تجد بعض هؤلاء لا خبرة لهم باللغة العربية وروح الأدب العربي ، ولا اطلاع لهم على تاريخ القرون الأولى التي صدرت فيها النصوص ، وسنتحدّث لاحقاً - بعون الله - عن مسألة التاريخ ، وليس لهم طول باع في علمي الرجال والحديث ، ولعمري إن هذا لممّا يؤسف له بحقّ .
إنّني أشبّه التصوّر السائد في بعض الأوساط بما كان يتصوّر في العلوم الحديثة
هامش
( 1 ) مصطفى الخميني ، الخلل في الصلاة : 6 .
( 2 ) محمد علي الأنصاري ، الموسوعة الفقهية الميسّرة 1 : 559 .