إذن ، فمن الضروري عدم المبالغة في النزعة المثالية التي تقدّمها لنا معطيات المدرسة الجديدة ، بقدر ما المطلوب رصد تطوّرات الساحة الميدانية لمعرفة مدى النجاح الذي تحقق ؛ إذ من الممكن لرؤيةٍ ما أن ترفع عن كاهلنا رؤيةً سابقة ذات آثار سلبية ، لكن المهم أن لا توقعنا في آثار سلبية أكبر من ناحية ثانية .
2 - معايير الاجتهاد ومفهوم الأعلميّة
يعرّف الكثير من العلماء الأعلميةَ بأنها الأقدرية ؛ فالأعلم هو الأقدر على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها ، وهو الأدق في فهم مصادر الاستنباط « 1 » .
وهذا التعريف - مع تطعيمه بتوضيحات - أفضل من غيره ، وقد راج في أوساط المتأخرين من علماء الإمامية ، ولا نبحث الآن في الأعلمية والنظريات فيها ، إنما سنجعل هذا المفهوم مدخلًا لإعادة قراءة المفاضلة العلمية ومعاييرها في المدارس الدينية .
أ - معضل مفهوم الدقّة العلمية بين المناخات العرفية والمماحكات العقليّة
أوّل المفاهيم التي تحضر إلى الذهن عند الحديث عن أعلمية ولو نسبية بين العلماء - وحديثنا بصرف النظر عن مسألة التقليد - هو مفهوم الدقّة العلمية ؛ حيث يتصوّر الكثيرون من العلماء وطلاب الشريعة الإسلامية أنه كلّما كان هناك دقة في عملية الاجتهاد كشف ذلك عن مدى العمق والجودة اللذين يتمتع بهما هذا المجتهد أو ذاك . وهذا التصّور صحيح ، ليس في العلوم الشرعية فحسب ، وإنما في سائر العلوم الأخرى أيضاً .
هامش
( 1 ) راجع - على سبيل المثال : السيد محمد الروحاني ، المسائل المنتخبة : 10 ؛ والسيد علي الخامنئي ، منتخب الأحكام : 10 ؛ والسيد علي السيستاني ، المسائل المنتخبة : 14 .