تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الصريح للتشويق * ( إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) * تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤول ، و * ( أنت ) * إما مبتدأ أو فصل أو تأكيد لاسم - إن - وحذف المعمول لإفادة العموم كما في قولهم : فلان يعطي واختيار صيغة المبالغة على فعال قيل : لمناسبة رؤوس الآي . * ( رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) * . * ( رَبَّنَا إنَّكَ جَامعُ النَّاس ) * المكلفين وغيرهم * ( ليَوْم ) * أي لحساب يوم ، أو لجزاء يوم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تهويلاً لما يقع فيه ، وقيل : اللام بمعنى إلى أي جامعهم في القبول إلى يوم * ( لاَّ رَيْبَ فيه ) * أي لا ينبغي أن يرتاب في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ، وقيل : الضمير المجرور للحكم أي لا ريب في هذا الحكم ، فالجملة على الأول صفة ليوم ، وعلى الثاني لتأكيد الحكم ومقصودهم من هذا - كما قال غير واحد - عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد الأسني عندهم ، والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة لمزيد الرغبة في استنزال طائر الإجابة ، وقرئ * ( جامع الناس ) * بالتنوين * ( إنَّ اللَّهُ لاَ يُخْلفُ الْميعَادَ ) * تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب ، وقيل : تأكيد بعد تأكيد للحكم السابق وإظهار الاسم الجليل مع الالتفات للإشارة إلى تعظيم الموعود والإجلال الناشئ من ذكر اليوم المهيب الهائل ، وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية منافية للإخلاف ؛ وهذا بخلاف ما في آخرة السورة حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لما أن مقامه مقام طلب الإنعام ، وقال الكرخي : الفرق بينهما أن ما هنا متصل بما قبله اتصالاً لفظياً فقط وما في الآخرة متصل اتصالاً معنوياً ولفظياً لتقدم لفظ الوعد ، وجوز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول الراسخين لا من كلام الراسخين فلا التفات حينئذ ، قال السفاقسي : وهو الظاهر و ( الميعاد ) مصدر ميمي بمعنى الحدث لا بمعنى الزمان والمكان وهو اللائق بمفعولية - يخلف - وياؤه منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها ، واستدل بها الوعيدية على وجوب العقاب للعاصي عليه تعالى وإلا يلزم الخلف ، وأجيب عنه بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو بدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقاً ؛ وقيل : هو إنشاء فلا يلزم محذور في تخلفه ، وقيل : ما في الآية ليس محلاً للنزاع لأن الميعاد فيه مصدر بمعنى الوعد ولا يلزم من عدم خلف الوعد عدم خلف الوعيد لأن الأول مقتضى الكرم كما قال : وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي واعترض بأن الوعيد الذي هو محل النزاع داخل تحت الوعد بدليل قوله تعالى : * ( قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ) * ( الأعراف : 44 ) وأجيب بأنا لا نسلم الدخول والآية من باب التهكم فهي على حد * ( فبشرهم بعذاب أليم ) * ( التوبة : 34 ) واعترض أيضاً بأن كون - الخلف في الإيعاد - مقتضى الكرم لا يجوز الخلف على الله تعالى لأنه يلزم حينئذ صحة أن يسمى الله تعالى مكذب نفسه وهو مما لا يقدم عليه أحد من المسلمين ، وأجيب عنه بما تركه أصوب من ذكره فالحق الرجوع إلى الجواب الأول . هذا ومن باب الإشارة في الآيات : * ( ألم ) * ( آل عمران : 1 ) تقدم الكلام عليه ، وذكر بعض ساداتنا فيه أنه أشير به إلى كل الوجود من حيث هو كل لأن ( أ ) إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود وهو مرتبة الإطلاق ، و ( ل ) إلى العقل المسمى بجبريل الذي هو وسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى ، و ( م ) إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو آخر الوجود ، وبه تتم دائرته ولهذا كان الختم ، وقال بعضهم : إن ( ل ) ركبت من ألفين أي وضعت بإذاء الذات مع صفة العلم اللذين هما عالمان من العوالم الثلاثة الإلهية التي أشرنا