تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
ذكره معه ولما أن بين التصوير الحقيقي الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف . وقوله سبحانه : * ( منْهُ آيَاتٌ ) * الظرف فيه خبر مقدم ، وآيات مبتدأ مؤخر أو بالعكس ، ورجح الأوّل : بأنه الأوفق بقواعد الصناعة ، والثاني : بأنه أدخل في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونهما من الكتاب ، والجملة إما مستأنفة أو في حيزالنصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل عليك الكتاب كائناً على هذه الحالة أي منقسماً إلى محكم وغيره أو الظرف وحده حال و ( آيات ) مرتفع به على الفاعلية * ( محكمات ) * صفة آيات أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه * ( هُنَّ أُمُّ الْكتاب ) * أي أصله والعمدة فيه يرد إليها غيرها والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعاً - أماً - والجملة إما صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما أفرد - الأم - مع أن الآيات متعددة لما أن المراد بيان أصلية كل واحدة منها أو بيان أن الكل بمنزلة آية واحدة * ( وَأخَرُ ) * نعت لمحذوف معطوف على ( آيات ) أي - وآيات أخر - وهي كما قال الرضيّ : جمع أخرى التي هي مؤنث آخر ومعناه في الأصل أشد تأخراً فمعنى - جاءني زيد ، ورجل آخر - جاءني زيد ، ورجل أشد تأخراً منه في معنى من المعاني ، ثم نقل إلى معنى غيره فمعنى رجل آخر رجل غير زيد ولا يستعمل إلا فيما هو من جنس المذكور أو لا فلا يقال : جاءني زيد وحمار آخر ولا امرأة أخرى ، ولما خرج عن معنى التفضيل استعمل من دون لوازم أفعل التفضيل أعني - من - والإضافة واللام وطوبق بالمجرد عن اللام والإضافة ما هو له نحو رجلان آخران ورجال آخرون وامرأة أخرى وامرأتان أخريان ونسوة أخر ، وذهب أكثر النحويين إلى أنه غير منصرف لأنه وصف معدول عن الآخر قالوا : لأن الأصل في أفعل التفضيل أن لا يجمع إلا مقروناً بالألف واللام - كالكبر والصغر - فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجرداً ما لا يعطي غيره إلا مقروناً ، وقيل : الدليل على عدل ( أخر ) أنه لو كان مع من المقدرة كما في - الله أكبر - للزم أن يقال بنسوة آخر على وزن أفعل لأن أفعل التفضيل ما دام بمن ظاهرة أو مقدرة لا يجوز مطابقته لمن هو له بل يجب إفراده ، ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأن المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف ، أو مع ساد مسد المضاف إليه ، أو مع دلالة ما أضيف إليه تابع المضاف أخذاً من استقراء كلامهم فلم يبق إلا أن يكون أصله اللام ، واعترض عليه أبو علي بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر . وأجيب بأنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه وإنما يلزم أن يكون قد أخرج عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى ، نعم قد تقصد إرادة تعريفه بعد النقل إما بألف ولام يضمن معناها فيبنى ، أو إما بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف ، ولما لم يقصد في ( أخر ) إرادة الألف واللام أعرب ، ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضاد الوصفية المقصودة منه . وقال ابن جني : إنه معدول عن آخر من ، وزعم ابن مالك أنه التحقيق وظاهر كلام أبي حيان اختياره - واستدلوا عليه بما لا يخلو عن نظر - . ووصف آخر بقوله سبحانه : * ( مُتَشَابهاتٌ ) * وهي في الحقيقة صفة لمحذوف أي محتملات لمعان متشابهات لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق ، وعدم الاتضاح قد يكون للاشتراك أو للإجمال ، أو لأن ظاهره التشبيه فالمتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بما هو وصف للمدلول فسقط ما قيل : إن واحد متشابهات متشابهة ،
تفسير الآلوسي — صفحة 80 | الآلوسي