تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
الجنس كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح إليه التصريح باسم " التوراة " و " الإنجيل " ، وفي الإتيان بالظرف وتقديمه على المفعول الصريح واختيار ضمير الخطاب ، وإيثار - على - على إلى ما لا يخفى من تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتنويه برفعة شأنه عليه الصلاة والسلام ؛ والجملة إما مستأنفة أو خبر آخر للاسم الجليل أو هي الخبر ، وما قبل كله اعتراض أو حال ، و * ( الحي القيوم ) * ( آل عمران : 2 ) صفة أو بدل ، وقرأ الأعمش * ( نزل ) * بالتخفيف ، ورفع الكتاب والجملة حينئذٍ منقطعة عما قبلها ، وقيل : متعلقة به بتقدير من عنده * ( بالْحَقِّ ) * أي بالصدق في أخباره أو بالعدل - كما نص عليه الراغب - أو بما يحقق أنه من عند الله تعالى من الحجج القطعية وهو في موضع الحال أي متلبساً بالحق أو محقاً ، وفي " البحر " يحتمل أن يكون الباء للسببية أي بسبب إثبات الحق * ( مُصَدِّقاً ) * حال من الكتاب إثر حال أو بدل من موضع الحال الأول أو حال من الضمير في المجرور وعلى كل حال فهي حال مؤكدة * ( لِّمَا بَيْنَ يَدَيْه ) * أي الكتب السالفة والظرف مفعول ( مصدقاً ) واللام لتقوية العمل وكيفية تصديقه لما تقدم تقدمت * ( وَأَنزَلَ التَّوْراة والاإِنجيلَ ) * ذكرهما تعييناً ( لما بين يديه ) وتبييناً لرفعة محله بذلك تأكيد لما قبل وتمهيد لما بعد ولم يذكر المنزل عليه فيهما لأن الكلام في الكتابين لا فيمن نزلا عليه والتعبير - بأنزل - فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد وهذا بخلاف القرآن فإن له نزولين ، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة ، ونزول من ذلك إليه صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة على المشهور ، ولهذا يقال فيه : نزل وأنزل وهذا أولى مما قيل : إن - نزل - يقتضي التدريج وأنزل يقتضي الإنزال الدفعي إذ يشكل عليه * ( لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) * ( الفرقان : 32 ) حيث قرن - نزل - بكونه جملة ، وقوله تعالى : * ( وقد نزل عليكم في الكتاب ) * ( النساء : 140 ) وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئاً فشيئاً كما في تسلسل ، والألفاظ لا بد فيها من ذلك فصيغة - نزل - تدل عليه ، والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم ، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه ، أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام . واختلف في اشتقاق " التوراة " و " الإنجيل " فقيل : اشتقاق الأول من ورى الزناد إذا قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور بالنسبة لما عدا القرآن تجلو ظلمة الضلال ، وقيل : من ورى في كلام إذا عرّض لأن فيها رموزاً كثيرة وتلويحات جليلة ، ووزنها عند الخليل وسيبويه فوعلة كصومعة ، وأصله وورية بواوين فأبدلت الأولى تاءاً وتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصارت - توراة - وكتبت بالياء تنبيهاً على الأصل ولذلك أميلت ، وقال الفراء : وزنها تفعلة بكسر العين فأبدلت الكسرة فتحة وقلبت الياء ألفاً وفعل ذلك تخفيفاً كما قالوا في توصية توصاة ، واعترضه البصريون بأن هذا البناء قليل وبأنه يلزم منه زيادة التاء أولاً وهي لا تزاد كذلك إلا في مواضع ليس هذا منها ، وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها تفعلة بفتح العين فقلبت الياء ألفاً ، وقيل : اشتقاق الثاني من - النجل - بفتح فسكون وهو الماء الذي ينز من الأرض ، ومنه النجيل لما ينبت فيه ويطلق على الوالد والولد وهو أعرف فهو ضد - كما قاله الزجاج - وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به لأنه مستخرج من اللوح المحفوظ وظاهر منه أو من التوراة ، وقيل : من النجل وهو التوسعة ، ومنه عين نجلاء لسعتها لأن فيه توسعة ما لم تكن في التوراة إذ حلل فيه بعض ما حرم فيها ، وقيل : مشتق من التناجل وهو التنازع يقال تناجل الناس إذا تنازعوا وسمي