تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
بمعنى عدل لا غير حكاه ابن القطاع - وعليه لا حاجة إلى رأي سيبويه في أقسط - وقيل : هو من قسط بوزن كرم بمعنى صار ذا قسط أي عدل ، وإنما صحت الواو في أقوم ولم يقل أقام لأنها لم تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف وأفعل التفضيل يناسبه معنى فحمل عليه * ( وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ ) * أي أقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك ، قيل : وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ ، والكرام الكاتبين مع أنه الغني الكامل عن كل شيء تعليماً للعباد وإرشاداً للحكام ، وحرف الجر مقدر هنا - وهو إلى كما سمعت - وقيل : اللام ، وقيل : من ، وقيل في ، ولكل وجهة * ( إلاَّ أَن تَكُونَ تجارَةً حَاضرَةً تُديرُونَهَا بيْنَكُمْ ) * استثناء منقطع من الأمر بالكتابة فقوله تعالى : * ( فليكتب بينكم كاتب بالعدل ) * إلى هنا جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه أي لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيها يداً بيد - كذا قيل - . وفي " الدر المصون " يجوز أن يكون استثناءاً متصلاً من الاستشهاد فيكون قد أمر بالاستشهاد في كل حال إلا في حال حضور التجارة ، وقيل : إنه استثناء من هذا وذاك وهو منقطع أيضاً أي لكن التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة ؛ وقيل : غير ذلك - ولعل الأول أولى - ونصب عاصم ( تجارة ) على أنها خبر ( تكون ) واسمها مستتر فيها يعود إلى التجارة - كما قال الفراء - وعود الضمير في مثل ذلك على متأخر لفظاً ورتبة جار في فصيح الكلام ، وقال بعضهم : يعود إلى المداينة والمعاملة المفهومة من الكلام ، وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين ، ورفعها الباقون على أنها اسم * ( تكون ) * والخبر جملة * ( تديرونها ) * ويجوز أن تكون * ( تكون ) * تامة فجملة * ( تديرونها ) * صفة . * ( فَليْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ) * أي فلا مضرة عليكم أو لا إثم في عدم كتابتكم لها لبعد ذلك عن التنازع والنسيان ، أو لأن في تكليفكم الكتابة حينئذٍ مشقة جداً وإدخال الفاء للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها * ( وَأَشْهدُواْ إذَا تَبَايَعْتُمْ ) * أي هذا التبايع المذكور أو مطلقاً * ( وَلاَ يُضَارَّ كَاتبٌ وَلاَ شَهيدٌ ) * نهي عن المضارة - والفعل يحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول - والدليل عليه قراءة عمر رضي الله تعالى عنه - ولا يضار - بالفك والكسر ، وقراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالفك والفتح - والمعنى على الأول : - نهي الكاتب والشاهد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان ، وعلى الثاني : النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشاهد مؤونة المجىء من بلد ، ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه ابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت هذه الآية * ( ولا يأب كاتب ) * الخ كان أحدهم يجئ إلى الكاتب فيقول : اكتب لي فيقول : إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري فيلزمه ويقول : إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك ، وهو يجد غيره فأنزل الله تعالى : * ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) * وحمل بعضهم الصيغة على المعنيين وليس بشيء كما لا يخفى ، وقرأ الحسن - ولا يضار - بالكسر . وقرئ بالرفع على أنه نفي بمعنى النهي * ( وَإن تَفْعَلُواْ ) * ما نهيتم عنه من الضرار أو منه ومن غيره وبعيد وقوعه منكم * ( فَإنَّهُ ) * أي ذلك الفعل * ( فُسُوقٌ بكُمْ ) * أي خروج عن طاعة متلبس بكم ، وجوز كون الباء للظرفية ، قيل : وهو أبلغ إذ جعلوا محلاً للفسق * ( واتَّقُواْ اللَّهَ ) * فيما أمركم به ونهاكم عنه * ( وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ) * أحكامه المتضمنة لمصالحكم * ( واللَّهُ بكُلِّ شَيْء عَليمٌ ) * فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك فإن قيل : كيف كرر سبحانه الاسم الجليل في الجمل الثلاث وقد استكرهوا مثل قوله :