تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
حقاً ؛ ولعل المقصود في الروايتين بيان بعض أفراد هذا المفهوم ودخوله فيه إذ ذاك دخولاً أولياً لا الحصر إذ هذا الحكم باق يوم الدين * ( يَحْسَبُهُمُ ) * أي يظنهم * ( الْجَاهلُ ) * الذي لا خبرة له بحالهم . * ( أَغْنيَاءَ من الْتَّعَفُّف ) * أي من أجل تعففهم على المسألة - فمن - للتعليل وأتى بها لفقد شرط من شروط النصب وهو اتحاد الفاعل ، وقيل : لابتداء الغاية والمعنى إن حسبان الجاهل غناهم نشأ من تعففهم ، والتعفف ترك الشيء والاعراض عنه مع القدرة على تعاطيه ، ومفعوله محذوف اختصاراً كما أشرنا إليه ، وحال هذه الجملة كحال سابقتها * ( تَعْرفِهُم بسيمَاهُمْ ) * أي تعرف فقرهم واضطرارهم بالعلامة الظاهرة عليهم كالتخشع والجهد ورثاثة الحال . أخرج أبو نعيم عن فضالة بن عبيد قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس تخر رجال من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين " . وأخرج هو أيضاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " كان من أهل الصفة سبعون رجلاً ليس لواحد منهم رداء " والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من له حظ من الخطاب مبالغة في بيان وضوح فقرهم ، ووزن - سيما - عفلا لأنها من الوسم بمعنى السمة نقلت الفاء إلى موضع العين وقلبت ياءاً لوقوعها بعد كسرة . * ( لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إلْحَافاً ) * أي إلحاحاً وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده ، وقيل : سمي الإلحاح بذلك لأنه يغطي القلب كما يغطي اللحاف من تحته ونصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال أو على الحال أي ملحفين ، والمعنى أنهم لا يسألون أصلاً - وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وإليه ذهب الفراء والزجاج وأكثر أرباب المعاني - وعليه يكون النفي متوجهاً لأمرين على حد قول الأعشى : لا يغمز الساق من - أين ومن وصب - * ولا يغص على - شرسوفة الصغر - واعترض بأن هذا إنما يحسن إذا كان القيد لازماً للمقيد أو كاللازم حتى يلزم من نفيه نفيه بطريق برهاني وماهنا ليس كذلك إذ الإلحاف ليس لازماً للسؤال ولا كلازمه ، وأجيب بأن هذا مسلم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه وهو كذلك هنا لأن التعفف حتى يظنوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأساً ، وأيضاً * ( تعرفهم بسيماهم ) * مؤيد لذلك إذ لو سألوا لعرفوا بالسؤال واستغنى عن العرفان - بالسيما - وقيل : المراد إنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا ، ومن الناس من جعل المنصوب مفعولاً مطلقاً للنفي أي يتركون السؤال إلحاحاً أي ملحين في الترك وهو كما ترى * ( وَمَا تُنفقُواْ منْ خَيْر فَإِنَّ اللَّهَ به عَليمٌ ) * فيجازيكم به وهو ترغيب في الإنفاق لا سيما على هؤلاء ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف ، واقرءوا إن شئتم * ( لا يسألون الناس إلحافاً ) * " وتقديم الظرف مراعاة للفواصل أو إيماءاً للمبالغة . * ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالَّيْلِ والنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * . * ( الَّذينَ يُنفقُون أَمْوالَهُم باللَّيْل والْنَّهَار سرّاً وَعَلاَنيَةً ) * أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة ، فالمراد بالليل والنهار جميع الأوقات كما أن المراد بما بعده جميع الأحوال ، وقدم الليل على النهار والسر على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار ، وانتصاب ( سراً وعلانية ) على أنهما مصدران في موضع الحال أي مسرين