تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
* ( مَا كَسَبْتُمْ ) * أي الذي كسبتموه أو كسبكم أي مكسوبكم من النقد وعروض التجارة والمواشي . وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في * ( طيبات ما كسبتم ) * : من الذهب والفضة وفي قوله تعالى : * ( وَمِّمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الأَرْض ) * يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة ، والجملة لبيان حال ما ينفق منه إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته وأعاد ( من ) في المعطوف لأن كلاً من المتعاطفين نوع مستقل ، أو للتأكيد - ولعله أولى - وترك ذكر - الطيبات - لعلمه مما قبله ، وقيل : لعلمه مما بعد ، وبعض جعل ( ما ) عبارة عن ذلك . * ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ ) * أي تقصدوا وأصله تتيمموا بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفاً إما الأولى وإما الثانية على الخلاف ، وقرأ عبد الله ( ولا تأمموا ) ، وابن عباس ( تيمموا ) بضم التاء والكل بمعنى * ( الْخَبيثَ ) * أي الردىء وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تذكر موصوفاتها * ( منْهُ تُنفقُونَ ) * الضمير المجرور للخبيث وهو متعلق - بتنفقون - والتقديم للتخصيص ، والجملة حال مقدرة من فاعل * ( تيمموا ) * أي لا تقدصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه ، أو من الخبيث أي مختصاً به الإنفاق ، وأياً ما كان لا يرد أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضاً كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة . فعن عبيدة السلماني قال : سألت علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذه الآية فقال : نزلت في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الردىء فقال الله تعالى : * ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) * وقيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً من ( الخبيث ) ، والضمير راجع إلى المال الذي في ضمن القسمين ، أو لما أخرجنا وتخصيصه بذلك لأن الرداءة فيه أكثر وكذا الحرمة لتفاوت أصنافه ومجالبه ، و * ( تنفقون ) * حال من الفاعل المذكور - أي ولا تقصدوا الخبيث كائناً من المال - أو مما أخرجنا لكم منفقين إياه وقوله تعالى : * ( وَلَسْتُم بَأَخذيه ) * حال على كل حال من ضمير * ( تنفقون ) * أي - والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات - أو بوجه من الوجوه * ( إلاَّ أَن تُغْمضُواْ فيه ) * إلا وقت إغماضكم أو إلا بإغماضكم فيه والإغماض كالغمض إطباق الجفن لما يعرض من النوم ، وقد استعير هنا - كما قال الراغب - للتغافل والتساهل ، وقيل : إنه كناية عن ذلك ولا يخلو عن تساهل وتغافل ، وذكر أبو البقاء أنه يستعمل متعدياً - وهو الأكثر - ولازماً مثل أغضى عن كذا ، والآية محتملة للأمرين ، وعلى الأول : يكون المفعول محذوفاً أي أبصاركم ، والجمهور على ضم التاء وإسكان العين وكسر الميم ، وقرأ الزهري - تغمضوا - بتشديد الميم ، وعنه أيضاً - تغمضوا - بضم الميم وكسرها مع فتح التاء ، وقرأ قتادة - تغمضوا - على البناء للمفعول أي تحملوا على الإغماض أي توجدوا مغمضين وكلا المعنيين مما أثبته الحفاظ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمنسبك من * ( أن ) * والفعل على كل تقدير في موضع الجر كما أشرنا إليه ، وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع النصب على الحالية ، وسيبويه لا يجوز أن تقع * ( أن ) * وما في حيزها حالاً ، وزعم الفراء * ( أن ) * هنا شرطية لأن معناه إن أغمضتم أخذتم ، وينبغي أن يغمض طرف القبول عنه ، ومن البعيد في الآية ما قيل : إن الكلام تم عند قوله تعالى : * ( ولا تيمموا الخبيث ) * ثم استؤنف فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع : * ( منه تنفقون ) * والحال - أنكم لا تأخذونه إلا إن أغمضتم - فيه ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل : أمنه تنفقون الخ ، وهو على بعده خلاف التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم .
تفسير الآلوسي — صفحة 39 | الآلوسي