على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها ، فالمآل واحد عند التحقيق . * ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحيمٌ ) * أي فيغفر كفرهم ويثيبهم ، وقيل : * ( غفور ) * لهم في الدنيا بالستر على قبائحهم * ( رحيم ) * بهم في الآخرة بالعفو عنهم - ولا يخفى بعده - والجملة تعليل لما دل عليه الاستثناء .
* ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَائِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ ) * .
* ( إنَّ الَّذينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إيمَانهمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً ) * قال عطاء وقتادة : نزلت في اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم ، ثم * ( ازداودا كفراً ) * بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقيل : في أهل الكتاب آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، ثم كفروا به بعد مبعثه ، ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد والصد عن السبيل ، ونسب ذلك إلى الحسن ، وقيل : في أصحاب الحرث بن سويد فإنه لما رجع قالوا : نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحرث ، وقيل : في قوم من أصحابه ممن كان يكفر ثم يراجع الإسلام ، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أم هانىء . و * ( كفرا ) * تمييز محول عن فاعل ، والدال الأولى في * ( ازدادوا ) * بدل من تاء الافتعال لوقوعها بعد الزاي .
* ( لَن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) * قال الحسن وقتادة والجبائي : لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة وعند ذلك لا تقبل توبة الكافر ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأنها لم تكن عن قلب ، وإنما كانت نفاقاً ، وقيل : إن هذا من قبيل : ولا ترى الضب بها ينجحر
أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها فهو من قبيل الكناية - كما قال العلامة - دون المجاز حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى الملزوم ، وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما دل عليه الاستثناء وتقرر في الشرع كما لا يخفى ، وقيل : إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها معه فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر فردت عليهم لذلك ، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن أبي العالية قال : هؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم فلم تقبل توبتهم ولو كانوا على الهدى قبلت ولكنهم على ضلالة ، وتجيء على هذا مسألة تكليف الكافر بالفروع وقد بسط الكلام عليها في الأصول .
* ( وَأُوْلَئكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) * عطف إما على خبر * ( إن ) * فمحلها الرفع ، وإما على * ( إن ) * مع اسمها فلا محل لها ، و * ( الضالون ) * المخطؤون طريق الحق والنجاة ، وقيل : الهالكون المعذبون والحصر باعتبار أنهم كاملون في الضلال فلا ينافي وجود الضلال في غيرهم .
* ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الاَْرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ) * .
* ( إنَّ الَّذينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ) * أي على كفرهم . * ( فَلَن يُقْبَلَ منْ أَحَدهم مِّلْءُ الأَرْض ) * من مشرقها إلى مغربها * ( ذَهَباً ) * نصب على التمييز ، وقرأ الأعمش - ذهب - بالرفع ، وخرج على البدلية من * ( ملء ) * أو عطف البيان ، أو الخبر لمحذوف ، وقيل عليه : إنه لا بد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه ولم يعهد بيان المعرفة بالنكرة ، وجعله خبراً إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة ، أو حالاً ولا يخلو عن ضعف ، وملء الشيء بالكسر مقدار ما يملؤه ، وأمل مَلء بالفتح فهو مصدر ملأه ملأ ، وأما الملاءة بالضم والمد فهي الملحفة .
وههنا سؤال مشهور وهو أنه لم دخلت الفاء في خبر * ( إن ) * هنا ولم تدخل في الآية السابقة مع أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور السببية ظاهراً ؟ وأجاب غير واحد بأن الصلة في الآية الأولى الكفر وازدياده وذلك لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل إنما يترتب على
تفسير الآلوسي — صفحة 218
مساهمون: الآلوسي
ص٢١٨