خرج فلأن يقص أثر فلان أي يتتبعه ليعرف أين ذهب ، ومنه قوله تعالى : * ( وقالت لأخته قصيه ) * ( القصص : 11 ) أي تتبعي أثره ، وكذلك القاص في الكلام لأنه يتتبع خبراً بعد خبر ، أو يتتبع المعاني ليوردها ، وهو هنا فعل بمعنى مفعول أي المقصوص الحق ، وقرئ * ( لهو ) * بسكون الواو
* ( وَمَا منْ آلَه إلاَّ اللَّهُ ) * رد النصارى في تثليثهم ، وكذا فيه رد على سائر الثنوية ، و * ( من ) * زائدة للتأكيد كما هو شأن الصلات ، وقد فهم أهل اللسان - كما قال الشهاب - أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها بذلك في الأكثر ، وقد توقف محب الدين في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية ، وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان ، واعترض بأن هذا حوالة على مجهول فلا تفيد ، فالأولى أن يقال : إنها وضعية لكنه من باب الوضع النوعي فتدبر
* ( وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزيزُ ) * أي الغالب غلبة تامة ، أو القادر قدرة كذلك ، أو الذي لا نظير له * ( الْحَكيمُ ) * أي المتقن فيما صنع ، أو المحيط بالمعلومات ، والجملة تذييل لما قبلها ، والمقصود منها أيضاً قصر الإلهية عليه تعالى رداً على النصارى أي قصر إفراد فالفصل والتعريف هنا كالفصل والتعريف هناك فما قيل : إنهما ليسا للحصر إذ الغالب على الأغيار لا يكون إلا واحداً فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب ، والمقام لا يلائمه مما لا عصام له كما لا يخفى .
* ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بالْمُفْسِدِينَ ) * .
* ( فَإِن تَوَلَّوْاْ ) * أي أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات ، وهذا على تقدير أن يكون الفعل ماضياً ، ويحتمل أن يكون مضارعاً وحذفت منه إحدى التاءين تخفيفاً ، وأصله تتولوا * ( فَإِنَّ اللَّهَ عَليمٌ بالْمُفْسدينَ ) * أي بهم أو بكم ، والجملة جواب الشرط في الظاهر لكن المعنى على ما يترتب على علمه * ( بالمفسدين ) * من معاقبته لهم ، فالكلام للوعيد ووضع الظاهر موضع الضمير تنبيهاً على العلة المقتضية للجزاء والعقاب وهي الإفساد ، وقيل : المعنى على أن الله عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق وبأنهم لا يقدمون على مباهلتك لمعرفتهم نبوتك وثبوت رسالتك ، والجملة على هذا أيضاً عند التحقيق قائمة مقام الجواب إلى أنه ليس الجزاء والعقاب ، والكلام منساق لتسليته صلى الله عليه وسلم ولا يخفى ما فيه .
ومن باب الإشارة في الآيات : * ( فلما أحس ) * أي شاهد عيسى بواسطة النور الإلهي المشرق عليه * ( منهم الكفر ) * أي ظلمته ، أو نفسه فإن المعاني تظهر للكمل على صور مختلفة بختلافها فيرونها . وحكي عن الباز قدس سره أنه قال : إن الليل والنهار يأتياني فيخبراني بما يحدث فيهما ، وعن بعض العارفين أنه يشاهد أعمال العباد كيف تصعد إلى السماء ويرى البلاء النازل منها * ( قال من أنصاري ) * في حال دعوتي * ( إلى الله ) * سبحانه بأن يلتفت إلى الاشتغال بتكميل نفسه وتهذيب أخلاقها حتى يصلح لتربية الناقصين فينصرني ويعينني في تكميل الناقص وإرشاد الضال * ( قال الحواريون ) * المبيضون ثياب وجودهم بمياه العبادة ومطرقة المجاهدة وشمس المراقبة * ( نحن أنصار الله ) * أي أعوان الفانين فيه الباقين به ومنهم عيسى عليه السلام * ( آمنا بالله ) * الإيمان الكامل * ( واشهد بأنا مسلمون ) * ( آل عمران : 52 ) أي مناقدون لأمرك حيث إنه أمر الله سبحانه * ( ربنا آمنا بما أنزلت ) * وهو ما نورت به قلوب أصفيائك من علوم غيبك * ( واتبعنا الرسول ) * فيما أظهر من أوامرك ونواهيك رجاء أن يوصلنا ذلك إلى محبتك * ( فاكتبنا مع الشاهدين ) * ( آل عمران : 53 ) أي مع من يشهدك ولا يشهد معك سواك ، أو الحاضرين لك المراقبين لأمرك * ( ومكروا ) * أي الذين أحس منهم الكفر واحتالوا مع أهل الله بتدبير النفس فكان مكرهم مكر الحق عليهم لأنه المزين ذلك لهم كما قال سبحانه : * ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) * ( الأنعام : 108 ) فهو الماكر
تفسير الآلوسي — صفحة 191
مساهمون: الآلوسي
ص١٩١