تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
* ( وَأَمَّا الَّذينَ ءامَنُواْ وَعَملُواْ الْصَّالحَات ) * بيان لحال القسم الثاني ، وبدأ بقسم * ( الذين كفروا ) * ( آل عمران : 56 ) لأن ذكر ما قبله من حكم الله تعالى بينهم أول ما يتبادر منه في بادىء النظر التهديد فناسب البداءة بهم ولأنهم أقرب في الذكر لقوله تعالى : * ( فوق الذين كفروا ) * ( آل عمران : 55 ) ولكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام وهموا بقتله * ( فَيُوَفِّيهمْ أُجُورَهُمْ ) * أي فيوفر عليهم ويتمم جزاء أعمالهم القلبية والقالبية ويعطيهم ثواب ذلك وافياً من غير نقص . وزعم بعضهم أن توفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة - والظاهر أنها أعم من ذلك - وعلق التوفية على الإيمان والعمل الصالح ولم يعلق العذاب بسوى الكفر تنبيها على درجة الكمال في الإيمان ودعاءاً إليها وإيذاناً بعظم قبح الكفر ، وقرأ حفص . ورويس عن يعقوب - فيوفيهم - بياء الغيبة ، وزاد رويس ضم الهاء ، وقرأ الباقون بالنون جرياً على سنن العظمة والكبرياء ، ولعل وجه الالتفات إلى الغيبة على القراءة الأولى الإيذان بأن توفية الأجر مما لا يقتضي لها نصب نفس لأنها من آثار الرحمة الواسعة ولا كذلك العذاب ، والموصول في الآيتين مبتدأ خبره ما بعد الفاء ، وجوز أن يكون منصوباً بفعل محذوف يفسره ما ذكر ، وموضع المحذوف بعد الصلة - كما قال أبو البقاء - ولا يجوز أن يقدر قبل الموصول لأن - أما - لا يليها الفعل . * ( واللَّهُ لاَ يُحبُّ الظَّالمينَ ) * أي لا يريد تعظيمهم ولا يرحمهم ولا يثني عليهم ، أو المراد يبغضهم على ما هو الشائع في مثل هذه العبارة ، والجملة تذييل لما قبل مقرر لمضمونه . * ( ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ والذِّكْرِ الْحَكِيمِ ) * . * ( ذلكَ ) * أي المذكور من أمر عيسى عليه السلام والإتيان بما يدل على البعد للإشارة إلى عظم شأن المشار إليه وبعد منزلته في الشرف . * ( نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ) * أي نسرده ونذكره شيئاً بعد شيء ، والمراد تلوناه إلا أنه عبر بالمضارع استحضاراً للصورة الحاصلة اعتناءاً بها ، وقيل : يمكن الحمل على الظاهر لأن قصة عيسى عليه السلام لم يفرغ منها بعد * ( منَ الآيَات ) * أي الحجج الدالة على صدق نبوتك إذ أعلمتهم بما لا يعلمه إلا قارىء كتاب ، أو معلم ولست بواحد منهما فلم يبق إلا أنك قد عرفته من طريق الوحي * ( وَالذِّكْر ) * أي القرآن ، وقيل : اللوح المحفوظ وتفسيره به لاشتماله عليه ، و * ( مِنَ ) * تبعيضية على الأول ، وابتدائية على الثاني وحملها على البيان وإرادة بعض مخصوص من القرآن بعيد * ( الْحَكيم ) * أي المحكم المتقن نظمه ، أو الممنوع من الباطل ، أو صاحب الحكمة ، وحينئذ يكون استعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته ؛ إما على وجه الاستعارة التبعية في لفظ حكيم ، أو الإسناد المجازي بأن أسند للذكر ما هو لسببه وصاحبه ، وجعله من باب الاستعارة المكنية التخييلية بأن شبه القرآن بناطق بالحكمة وأثبت له الوصف - بحكيم - تخييلا محوج إلى تكلف مشهور في دفع شبهة ذكر الطرفين حينئذ فتأمل ، وجوز في الآية أوجه من الإعراب ، الأول : أن ذلك مبتدأ ، و * ( نتلوه ) * خبره ، و * ( عليك ) * متعلق بالخبر ، و * ( من الآيات ) * حال من الضمير المنصوب ، أو خبر بعد خبر ، أو هو الخبر وما بينهما حال من اسم الإشارة على أن العامل فيه معنى الإشارة لا الجار والمجرور قيل : لأن الحال لا يتقدم العامل المعنوي ، الثاني : أن يكون ذلك خبراً لمحذوف أي : الأمر ذلك ، و * ( نتلوه ) * في موضع الحال من * ( ذلك ) * و * ( من الآيات ) * حال من الهاء ، الثالث : أن يكون ذلك في موضع نصب بفعل دل عليه - نتلو - فيكون * ( من الآيات ) * حالا من الهاء أيضاً . * ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) * . * ( إنَّ مَثَلَ عيسَى ) *