تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
بها التوراة واختاروها تبركاً بها ، وقيل : هي السهام من النشاب وهي القداح ، وحكى الكازروني أنها كانت من نحاس وهي مأخوذة من القلم بمعنى القطع ، ومنه قلامة الظفر وقد تقدم بيان كيفية الرمي - وفي عدة الأقلام خلاف - وعن الباقر أنها كانت ستة ، والظرف معمول للاستقرار العامل في * ( لديهم ) * وجعله ظرفاً لكان - كما قال أبو البقاء - ليس بشيء * ( أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) * من تتمة الكلام الأول ، وجعله ابتداء استفهام مفسد للمعنى ، ولما لم يصلح * ( يلقون ) * للتعلق بالاستفهام لزم أن يقدر ما يرتبط به النظام فذكر الجلّ له ثلاثة أوجه : أحدها : أن يقدر : ينظرون أيهم يكفل وحيث كان النظر مما يؤدي إلى الإدراك جاز أن يتعلق باسم الاستفهام كالأفعال القلبية - كما صرح به ابن الحاجب ، وابن مالك في " التسهيل " - وثانيها : أن يقدر : ليعلموا أيهم يكفل وعلى الأول الجملة حال مما قبلها وعلى الثاني في موضع المفعول له ، ولا يخفى أن الإلقاء سبب لنفس العلم لكنه سبب بعيد ، والقريب هو النظر إلى ما ارتفع من الأقلام ، وثالثها : أن يقدر يقولون ، أو ليقولوا أيهم واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في تقدير يقولون ولا ينساق المعنى إليه بل هو مجرد إصلاح لفظي لموقع * ( أيهم ) * وأجيب بأنه مفيد ، وينساق المعنى إليه بناءاً على أن المراد بالقول القول للبيان والتعيين ، واعترض أيضاً تقدير القول مقروناً بلام التعليل بأن هذا التعليل هنا مما لا معنى له ، وأجيب بتأويله كما أول في سابقه ، وقيل : يؤل بالحكم أي : ليقولوا وليحكموا أيهم الخ ، والسكاكي يقدر ههنا ينظرون ليعلموا ، ولعل ذلك لمراعاة المعنى واللفظ وإلا فتقدير النظر ، أو العلم يغني عن الآخر ، وبعض المحققين لم يقدر شيئاً أصلاً وجعل * ( أيهم ) * بدلاً عن ضمير الجمع - أي يلقي كل من يقصد الكفالة - وتتأتى منه ، ولا يخفى أنه من التكلف بمكان * ( وَمَا كُنْتَ لَدَيْهمْ إذْ يَخْتَصمُونَ ) * في شأنها تنافساً على كفالتها وكان هذا الاختصام بعد الاقتراع في رأي ، وقبله في آخر ، وتكرير * ( ما كنت لديهم ) * مع تحقق المقصود بعطف * ( إذ يختصمون ) * على * ( إذ يلقون ) * للإيذان بأن كل واحد من عدم الحضور عند الإلقاء ، وعدم الحضور عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته صلى الله عليه وسلم لا سيما على الرأي الثاني في وقت الاختصام لأن تغيير الترتيب في الذكر مؤكد لذلك - قاله شيخ الإسلام - . واختلف في وقت هذا الإقتراع والتشاح على قولين : أحدهما : وهو المشهور المعول عليه أنه كان حين ولادتها وحمل أمها لها إلى الكنيسة على ما أشرنا إليه من قبل ، وثانيهما : أنه كان وقت كبرها وعجز زكريا عليه السلام عن تربيتها ، وهو قول مرجوح ، وأوهن منه قول من زعم أن الاقتراع وقع مرتين مرة في الصغر وأخرى في الكبر ، وفي هذه الآية دلالة على أن القرعة لها دخل في تمييز الحقوق ، وروي عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عز وجل إلا خرج سهم المحق ، وقال أي قضية أعدل من القضية إذا فوض الأمر إلى الله سبحانه ، أليس الله تعالى يقول : * ( فساهم فكان من المدحضين ) * ؟ ( الصافات : 141 ) وقال الباقر رضي الله تعالى عنه : أول من سوهم عليه مريم بنت عمران ثم تلا * ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ) * . * ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا والاَْخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * . * ( إذْ قَالَت الْمَلائكَةُ ) * شروع في قصة عيسى عليه السلام ، والمراد بالملائكة جبريل عليه السلام على المشهور ، والقول شفاهي كما رواه ابن أبي حاتم عن قتادة ، و * ( إذ ) * المضافة إلى ما بعدها بدل من نظيرتها السابقة بدل كل من كل ، وقيل : بدل اشتمال ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه اعتراض جيء به تقريراً
تفسير الآلوسي — صفحة 159 | الآلوسي