تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
ورد بأنه أبلغ لأنه يودّ البعد بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير لئلا يرى ما فيه من السوء ، و - الأمد - غاية الشيء ومنتهاه ، والفرق بينه وبين الأبد أن الأبد مدة من الزمان غير محدودة ، والأمد مدة لها حد مجهول والمراد هنا الغاية الطويلة ، وقيل : مقدار العمر ، وقيل : قدر ما يذهب به من المشرق إلى المغرب ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة - ولعله الأظهر - ، فالتمني هنا من قبيل التمني في قوله تعالى : * ( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ) * ( الزخرف : 38 ) وهذا الذي ذكر في نظم الآية هو ما ذهب إليه كثير من أئمة التفسير ، وقال أبو حيان : إنه الظاهر في بادىء الرأي مبني على أمر اختلف النحاة في جوازه وهو كون الفاعل ضميراً عائداً على ما اتصل به معمول الفعل المتقدم نحو غلام هند ضربت هي ، والآية من هذا القبيل على ذلك التخريج لأن الفاعل بيودّ عائد على شيء اتصل بمعمول - يودّ - وهو يوم لأنه مضاف إلى تجد كل نفس ، والتقدير : تودّ كل نفس يوم وجدانها ما عملت من خير وشر محضراً لو أن بينها الخ ؛ وجمهور البصريين على جواز ذلك وهو الصحيح ، ومنه قوله : - أجل المرء يستحث - ولا يد * ري - إذا يبتغي حصول الأماني - أي المرء في وقت ابتغائه حصول الأماني يستحث أجله ولا يدري ، والفراء والأخفش وغيره من البصريين على عدم الجواز لأن هذا المعمول فضلة فيجوز الاستغناء عنه ، وعود الضمير على ما اتصل به يخرجه عن ذلك لأنه يلزم ذكر المعمول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به ولا يخفى وهنه وفي الآية أوجه أخر : منها أن ناصب الظرف * ( قدير ) * ( آل عمران : 29 ) ، ولا يرد عليه تقييد قدرته سبحانه بذلك اليوم لأنه إذ قدر في مثله علم قدرته في غيره بالطريق الأولى ، ومنها أنه منصوب بالمصير أو بالذكر أو بيحذركم مقدراً فيكون مفعولاً به أو بالعقاب المضاف الذي أشعر به كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وصرحوا بأنه على تقدير تعلقه بنحو - اذكروا - يجوز في * ( ما عملت ) * أن يكون مبتدأ خبره جملة * ( تودّ ) * وأن يكون معطوفاً على * ( ما ) * الأولى ، وجملة * ( تودّ ) * إما مستأنفة جواباً لسؤال مقدر كأن سائلاً قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم : فماذا يكون إذ ذاك ؟ فقيل : * ( تودّ لو أن بينها ) * الخ ، أو حال من فاعل * ( تجد ) * أي - اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشر محضراً وادّت تباعد ما بينها وبينه - وجوز أن يكون حالاً من ضمير * ( عملت ) * لقربه ، واعترض بأن - الوداد - إنما هو وقت وجدان العمل حاضراً في الآخرة لا وقت العمل في الدنيا ، والحالية من ضمير * ( عملت ) * تقتضيه فلا وجه لها ، وأجيب بأنها حال مقدرة على معنى : يوم تجد كل نفس كذا مقدراً وداده - أي حال كونه ثابتاً في قدرنا وداده - فالوداد وإن لم يكن مقارناً للعمل إلا أن كون الوداد ثابتاً في قدر الله تعالى وقضائه مقارن له ، وهذا مثل ما قيل في قوله تعالى : * ( وبشرناه بإسحق نبياً من الصالحين ) * ( لاصافات : 112 ) ، واعترض أيضاً بأنه على تقدير الحالية من ضمير * ( عملت ) * يلزم تخصيص العمل والمقام لا يناسب ، وأجيب بأنه ليس القصد التخصيص بل بيان سوء حالهم وحسرتهم ولا بأس به ، وجوز أيضاً أبو البقاء أن تكون ( ما ) في * ( ما عملت من سوء ) * شرطية - وإلى ذلك مال السفاقسي - ورفع * ( تودّ ) * ليس بمانع لأنه إذا كان الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً جاز في الجزاء الرفع والجزم من غير تفرقة بين إن الشرطية وأسماء الشرط ، واعترض بأن رفع المضارع في الجزاء شاذ كرفعه في الشرط كما نص عليه المبرد وشهد به الاستعمال حيث لم يوجد إلا في قول زهير : ( وإن ) أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب مالي ولا حرم
تفسير الآلوسي — صفحة 127 | الآلوسي