وخضعت بقلبي وقالبي لله لا أشرك به غيره ، وفيه إشارة إلى أن الجدال معهم ليس في موقعه لأنه إنما يكون في أمر خفي والذي جادلوا به أمر مكشوف ، وحكم حاله معروف وهو الدين القويم فلا تكون المحاجة والمجادلة إلا مكابرة ، وحينئذ يكون هذا القول إعراضاً عن مجادلتهم ، وقيل : إنه محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة فكأنه قال : هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه ، وداعي الخلق إليه ، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك فاليهود يدعون التشبيه والجسمية ، والنصارى يدعون إلهية عيسى عليه السلام والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون فعليهم الإثبات ، ونظير ذلك * ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ) * ( آل عمران : 64 ) ، وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم عليه السلام : * ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 79 ) فكأنه قيل : فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل : أنا متمسك بطريق إبراهيم عليه السلام وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله تعالى : * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * ( النحل : 125 ) ولعل القول بالإعراض أولى لما فيه من الإشارة إلى سوء حالهم وحط مقدارهم ، وعبر عن الجملة - بالوجه - لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادة وبه يحصل التوجه إلى كل شيء ، وفتح الياء نافع وابن عامر وحفص وسكنها الباقون * ( وَمَن اتَّبَعَن ) * عطف على الضمير المتصل في * ( أسلمت ) * وحسن للفصل ، أو مفعول معه وأورد عليهما أنهما يقتضيان اشتراكهم معه صلى الله عليه وسلم في إسلام وجهه وليس المعنى : أسلمت وجهي وهم أسلموا وجوههم إذ لا يصح - أكلت رغيفاً وزيداً ووزيداً ، وقد أكل كل منهما رغيفاً ، فالواجب أن يكون - من - مبتدأ والخبر محذوف أي : ومن اتبعن كذلك ، أو يكون معطوفاً على الجلالة وإسلامه صلى الله عليه وسلم لمن اتبعه بالحفظ والنصيحة ، وأجيب بأن فهم المعنى وعدم الإلباس يسوغ كلا الأمرين ويستغني بذلك عن مئونة الحذف وتكلف خلاف الظاهر جداً ، وأثبت الياء في - اتبعني - على الأصل أبو عمرو ونافع ، وحذفها الباقون - وحذفها أحسن - لموافقة خط المصحف ، وقد جاء الحذف في مثل ذلك كثيراً كقول الأعشى : * * شع فهل يمنعني ارتيادي البلاد من حذر الموت أن ( يأتين )
* ( وَقُل لِّلَّذينَ أُوتُواْ الْكتَابوالأُمِّيَّنَ ) * عطف على الجملة الشرطية ، والمعنى فإن حاجك أهل الكتاب فقابلهم بذلك فإن أجدى فعمم الدعوة وقل للأسود والأحمر * ( ءَأسْلَمْتُمْ ) * متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد جاءكم من الآيات ما يوجبه ويقتضيه أم أنتم على كفركم بآيات الله تعالى وإصراركم على العناد - وهذا كما تقول إذا لخصت لسائل مسألة ولم تدع من طرق البيان مسلكاً إلا سلكته - فهل فهمتها ؟ على طرز * ( فهل أنتم منتهون ) * ( المائدة : 91 ) إثر تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم تعاطيه ، وفي ذلك تعيير لهم بالمعاندة وقلة الانصاف وتوبيخ البلادة وجمود القريحة ، والكثيرون على أن الاستفهام للتقرير وفي ضمنه الأمر ووضع الموصول موضع الضمير لرعاية التقابل بين المتعاطفين ، والمراد من الأميين الذين لا يكتبون من مشركي العرب قاله ابن عباس وغيره .
* ( فَإنْ أَسْلَمُواْ ) * أي اتصفوا بالإسلام والدين الحق * ( فَقَدْ اهْتَدَواْ ) * على تضمين معنى الخروج أي اهتدوا خارجين من الضلال كذا قيل ، وبعض يفسر الاهتداء باللازم وهو النفع أي فقد نفعوا أنفسهم قالوا : وسبب
تفسير الآلوسي — صفحة 108
مساهمون: الآلوسي
ص١٠٨