بل يمكن الإضافة على ذلك بأنّ عملهم بالعلم إنمّا هو - أيضاً - من باب إفادة الاطمئنان وسكون النفس نوعاً ، ولهذا حتى مع العلم بعدم وجود الضرر نراهم لا يقدمون على اقتحام الأماكن الموحشة ، وما ذلك إلا لفقد سكون النفس ، ولعلّ منه قصّة النبيّ إبراهيم عليه السلام وإحياء الموتى « 1 » .
وهذه الملاحظة تحتاج إلى تعميق ؛ إذ هي بهذا القدر الموجز قد لا تُقنع القائلين بحجيّة خبر الثقة ؛ إذ بات عمل العقلاء بخبر الواحد أشبه بالبديهيّ عندهم ، حتى أنّ أحدهم أشكل على دعوى الاطمئنان هنا بإمكان وجود سيرتين : إحداهما على العمل بخبر الواحد المفيد للاطمئنان ، والأخرى على العمل بخبر الواحد الثقة بصرف النظر عن الاطمئنان ! « 2 » ، مع أنّ محلّ النقاش هو فرض مرجعيّة الاطمئنان في العمل العقلائي بالأ خبار .
ولكي نعمّق هذه المسألة نستعرض الملاحظة الثانية ، ثم نوسّع الموضوع .
الملاحظة الثانية : ما ذكره السيد كاظم الحائري ، والذي ظهر لي أنّه قد يكون أخذه من مطاوي كلام السيد محمّد باقر الصدر ، رغم أنّ الصدر لم يجب عنه بشكل واضح ، وحاصله أنّ العقلاء لا يتضح منهم الاعتماد على خبر الثقة الظني ، إذ لعلّهم أخذوا به من باب البيّنة كما في القضاء ، أو من باب الاطمئنان ، أو الاحتياط ، أو عدم أهميّة الغرض بحيث يكفي فيه هذا القدر من الكشف ، ومعه لا يُحرز انعقاد سيرتهم على ما نريده هنا ، فيسقط دليل السيرة العقلائية في مقامنا « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : الفيروزآبادي ، عناية الأصول 3 : 249 - 250 .
( 2 ) محمد رسول آهنكران ، حجية خبر الواحد ، نقد الاستدلال بالسيرة العقلائيّة ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 13 - 14 : 214 .
( 3 ) الحائري ، مباحث الأصول ق 2 ، ج 2 : 545 ، هامش رقم : 1 ، وانظر إشارات السيد الصدر لهذه الاحتمالات في المصدر نفسه : 528 .