تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية الحديث — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
وإذا أخذنا التفسير الأوّل ( الإيمان بمعنى التصديق ) انفتحت سائر المجالات للنقاش ، بينما إذا أخذنا التفسير الثاني ( الإيمان بمعنى منح الأمان ) خرجت الآية تماماً عن مجال الحديث عن حجيّة خبر الواحد ؛ لأنّ النبيّ لا يأخذ بالخبر هنا ، بل هو يمارس فعلًا أخلاقيّاً رحيماً بالمؤمنين ، في قبوله عذرهم أو إنكارهم لما قيل عنهم ، وربما كان غير مقتنع بهذا العذر ؛ لكنّه يرأف بهم ويقبل منهم ويعفو عنهم ، وأين هذا من حجيّة خبر الواحد ؟ خاصّة لو كان ما اخبر به عنهم قدجاء به الثقات ! وتفسير الإيمان بمعنى التصديق في الآية في الموضعين معاً ممكن ومعقول وبيّن ، بينما التفسير الثاني غير واضح في استخدام كلمة آمنت لك ، بمعنى منحتك الأمان ، إلا على تقدير حذف اللام وأنّها بمعنى ( آمنتك ) ، ويكون السياق مساعداً على ذلك ، وإلا فإنّ كلمة الإيمان بمعنى التصديق تأتي متعدّيةً باللام مثل قوله تعالى :
( فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ )
( يونس : 83 ) ، وقوله سبحانه :
( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً )
( الإسراء : 90 ) ، وقوله تعالى :
( قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ )
( يوسف : 17 ) ، وقوله عزّ وجل :
( قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ )
( الشعراء : 111 ) . والتمييز بين اللام والباء هنا في هذه الآية التي نحن بصددها ربما يكون لأنّ الإيمان بالله هو تصديقٌ بذاته سبحانه ، بينما الإيمان للمؤمنين هو تصديقٌ لقولهم لا لذواتهم . 3 - كيف نفسّر دخول اللام على ( للمؤمنين ) ودخول الباء على ( بالله ) ، ولماذا كان هذا التمييز في التعبير ؟ ذكر بعضهم هنا أنّ اللام ليست للتعدية ، وإنّما هي للتقوّي وتأكيد الحكم والإسناد ، وليس هذا أمراً غريباً ، فقد وردت نماذج من هذا في القرآن الكريم ، فقد قال تعالى :
( . . لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ )
( الأعراف : 154 ) ، والمعنى : يرهبونه ، وقال تعالى :
( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ