وفي هذا السياق تطرّقوا لأقسام التواتر ، وبعد أن كانت منقسمةً منذ القديم إلى تواتر لفظي ومعنوي ، أضاف بتعمّق الشيخ الخراساني ( 1329 ه - ) قسماً ثالثاً هو التواتر الإجمالي ، والذي نجد مؤشرات حوله في كلمات الشيخ الأنصاري والميرزا الآشتياني « 1 » ، ما دفع البحث للتطوّر في هذا المجال ، والا فلا تكاد تجد فصلًا مستقلًا للتواتر بحثت فيه ماهيّته وشروطه وقوانينه إلا قليلًا ومحدوداً ، مثل ما جاء في كتاب القوانين المحكمة للميرزا القمي « 2 » ، والفصول الغروية للمحقّق الغروي الإصفهاني « 3 » ، ومفاتيح الأصول للطباطبائي « 4 » .
أما على الصعيد السنّي ، فلم يكن الحال أحسن ، فأغلب الدراسات الأصولية والحديثية لم تقدّم معطيات جديدة على ما طرحه السابقون في علم الأصول والدراية ، من هنا يمكن القول : إنّ مبحث التواتر في العلوم الإسلامية تحوّل إلى مبحث مكرّس في معطياته ، بعد أن أشبعه العلماء الماضون بحثاً وتحقيقاً « 5 » .
نعم ، في الفترة الأخيرة ظهرت محاولات بحثية نقديّة تتصل بملفّ التواتر من قبل بعض الباحثين ، وقد قدّمت بعض المحاولات التي تستحقّ التوقّف عندها ، وبعضها له جذور في التراث الإسلامي هنا وهناك ، مثل نقد نظريّة وجود التواتر أصلًا في مجال النقل عامّة ، ونقد نظريّة التواتر المعنوي ، ونقد نظريّة عدم حجيّة التواتر في القول مع تصحيح التواتر في نقل الحوادث ، وغير ذلك ممّا سنشير إليه بعون الله .
كانت هذه جولة مختصرة جداً - لأنّ بحثنا ليس تتبّعياً تاريخيّاً - لرصد مشهد هذا
هامش
( 1 ) راجع : الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 442 ؛ والآشتياني ، بحر الفوائد 1 : 161 ، 193 .
( 2 ) القوانين المحكمة 2 : 404 - 408 .
( 3 ) الفصول الغروية : 269 - 270 .
( 4 ) مفاتيح الأصول : 429 - 432 ، 444 - 445 .
( 5 ) لمزيد من الاطلاع على تطوّر بحث التواتر في الدراسات الأصولية والحديثية ، يمكن مراجعة : حيدر حب الله ، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي ، التكوّن والصيرورة : 471 - 477 .