فعدم وجود داع من تلك الدواعي في هذا الراوي أو ذاك لا يعني انعداماً واقعياً لدواعي الكذب عنده ، بل من الممكن بمرور الأيام اكتشاف عناصر داعية للكذب كثيرة أخرى .
فالحديث عن القدرة على إحراز عدم وجود داع للكذب حديث فيه قدر كبير من المثاليّة ، نعم لا ننفي ذلك وإنما نراه في غاية الندرة في عالم الحديث النبوي الآحادي وما يتصل به .
ثانياً : إنّ انعدام وجود الداعي للكذب لا ينتج يقيناً بصدور الخبر ، فما زال هناك احتمال خطأ الراوي وسهوه أو التباس الأمر عليه ، فقد ينسب روايةً لشخص وهو يظنّ أنها له فيما تكون لغيره ، ومثل هذا الأمر ليس بالعزيز أبداً ، وقد ينسى فيظنّ أنه قد سمع الرواية من فلان فيما يكون قد سمعها من شخص آخر ؛ ونحن لا ندري ظروف رواية الرواة لكلّ حديث ، فقد يكون مريضاً أو متعباً أو . .
ولكي أقرّب هذا الأمر بمثال - بقطع النظر عن تبنّي هذا المثال هنا - نذكر ما قاله المغفور له الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي ، حيث ذكر أنّ الشيخ الطوسي ( 460 ه - ) في كتاب التبيان قد نقل رأي أبي جعفر الطبري ( 310 ه - ) المفسّر الكبير ، وعندما كان يذكره كان يقول : قال أبو جعفر ، وعندما جاء الطبرسي صاحب مجمع البيان ليؤلّف مجمعه اعتماداً - كما هو معروف - على تفسير التبيان ، ظنّ أن المراد بأبي جعفر هنا هو الإمام أبو جعفر الباقر ( 114 ه - ) ، فصار يذكر أنّ هذا قول الباقر ، وبالمقارنة بين التفاسير الثلاثة : التبيان ، والطبري ، والمجمع يتأكّد لنا هذا الأمر « 1 » .
فمثل هذا الاشتباه ممكن في الطبرسي وغيره ، ومعه كيف يُطمأنّ بالصدور مع هكذا أمر ، لا سيما مع رداءة الطباعة والاستنساخ و . . في تلك العصور ؟
فالحقّ أنّه يصعب جداً من الناحية العمليّة اعتبار ذلك قرينة تفيد القطع بالصدور ،
هامش
( 1 ) انظر : نجف آبادي ، حديثهاى خيالي در مجمع البيان : 21 - 23 ، 25 - 79 .