الشيعية ، وقد أسلفنا نقل قسم منها ، من أخذ « لا والله وبلى والله » أبرز أنموذج للغو اليمين ، وهو اليمين التي تقع من المتكلّم بلا قصد الحلف ، فإن ارتكاز هذا المثال ، يدلّ على أن العرف آنذاك يرى مثل هذا التعبير سائداً في أوساط الناس ، وأهل السوق وغيرهم ، بحيث يصدر من المتحاورين عن غير قصد ، لشدّة شيوع استخدامه في المحاورات ، فعندما يذكر الإمام عليه السلام هذا المثال في باب الحجّ ، فهو يريد التشدّد في أمر الجدال لا التخفيف ، خلافاً لمفاد الاحتمال الثالث المتقدّم .
الثاني : ما نقله جماعة - منهم ابن حجر والعظيم آبادي - من أنّه نقل عن عطاء والشعبي وطاووس والحسن وأبي قلابة أن « لا والله وبلى والله » لغة من لغات العرب ، لا يراد بها اليمين ، وهي من صلة الكلام « 1 » ، فهذا يؤكّد - رغم أنّها يمين - أنّها تحوّلت نتيجة كثرة استعمالها إلى أداة وصل في الكلام ، ممّا يرشد إلى ما ذكرناه .
وهذا الاحتمال - رغم لطافته - يواجه المشاكل عينها التي واجهها الاحتمال السابق ، فلو كان المراد مطلق الجدال فلماذا لم تحكم بذلك الرواية الثالثة التي ورد فيها : لعمري ؟ ! وهكذا غيرها .
ولعلّ هذا ما يضطرّنا للذهاب إلى الاحتمال الخامس وهو :
الاحتمال الخامس : أن يراد مطلق الخصومة المرفقة باليمين ، سواء كانت شديدة أم خفيفة ، ولعلّ هذا أيضاً هو مراد الفقهاء الذين ذكرنا أسماءهم في الاحتمال الثالث ، مضافاً إلى أنّه ظاهر آخرين « 2 » .
وميزة هذا الاحتمال أنّه :
أوّلًا : لا يعارض النصّ القرآني ، بل يخصّصه ، فبعد أن كان المراد ظاهراً مطلق الجدال صار المراد الجدال المصحوب باليمين ، أو بحصّة خاصّة منه .
ثانياً : لا يفترض نحواً من الحكومة ، كما في الاحتمال الثاني ، فلا تكون هناك غرابة في
هامش
( 1 ) . ابن حجر ، فتح الباري 11 : 476 ؛ والعظيم آبادي ، عون المعبود 9 : 113 .
( 2 ) . انظر : المدني الكاشاني ، براهين الحجّ 3 : 132 ، 133 ؛ والسيّد محمود الشاهرودي ، كتاب الحجّ 3 : 181 - 182 .