ومثل هذا القول ما ذكره جمع من فقهاء ومفسّري أهل السنّة من أنّ المراد بالذكر في الآية صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة ، وبعضهم حمله على صلاة المغرب لتصحيح الوجوب بها فوجب حمله عليها « 1 » ، وعبّر بعضهم بصلاة المغرب والعشاء جمعاً في المزدلفة « 2 » .
وقد رفض بعض المفسّرين السنّة هذا القول ، وذهبوا إلى أن ظاهر الآية إفادة وجوب الذكر ، وأنّ فعل النبي عليهماالسلام شاهد على أن الذكر كان مغايراً لفعل صلاتي المغرب والعشاء جمعاً في المزدلفة « 3 » .
نعم يشهد لهذا الكلام - وهو تطبيق الذكر على الصلاة - خبر الأزدي المتقدّم ، حيث سأله الإمام أخيراً بأنه هل صلّى في عرفات الظهر والعصر وقنت ودعا ؟ فأجابه بالإيجاب ، فذكر له الإمام أن عرفات كلّها موقف ، مما يعني أن لزوم الدعاء يتحقق في داخل الصلاة ، وهكذا الحال في الذكر ، ولعله لذلك تمسّك به العلامة في المقام - مع خبر الموصلي - لرد الحكم بالوجوب « 4 » . إلا أن الرواية ضعيفة السند كما ذكرنا سابقاً ، فلا يعتمد عليها ، وهكذا خبر الموصلي .
وقد أورد المحقق الأردبيلي على تفسير الذكر بصلاتي المغرب والعشاء بأنّ معناه لزوم إتيان الصلاتين في المزدلفة ، وهو غير جيد ؛ إذ دلّت على عدمه صحيحة محمد بن مسلم وخبر سماعة وصحيحة هشام بن الحكم الدالة بأجمعها على جواز الإتيان بالمغرب في عرفات والعشاء في المزدلفة ، إلا إذا أرادوا خصوص العشاء ، فتحمل أخبار الجمع بينهما بأذانٍ واحد وإقامتين على الندب « 5 » .
ثانياً : ما ذكره العلامة الحلّي من التمسّك بمنع الكبرى ، وهي إنكار ظهور صيغة
هامش
( 1 ) . أبو بكر الجصّاص ، أحكام القرآن 1 : 312 - 313 .
( 2 ) . ابن كثير ، تفسير ابن كثير 1 : 242 ؛ وابن الجوزي ، زاد المسير في علم التفسير 1 : 213 ؛ والفخر الرازي ، التفسير الكبير 5 : 178 .
( 3 ) . محمد عبده ورشيد رضا ، تفسير المنار 2 : 232 - 233 .
( 4 ) . العلامة الحلي ، مختلف الشيعة 4 : 243 .
( 5 ) . الأردبيلي ، زبدة البيان : 352 .