تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
العرفاء الشيعة قبلوا كلّ ما في هذا العرفان الصوفي دون أن ينقدوه مثلًا أو يعارضوه أو حتى يطوّره حسب ما يتّفق مع عقيدتهم ، أو أنّهم اكتفوا بالنقل والشرح لا غير ؟ وأنا هنا أخصّ العرفاء ، وليس المحدّثين أو الفقهاء . * لعلّه ينبغي أن نلاحظ عدّة أمور هنا : 1 - من الناحية المبدئيّة ، فإنّ العرفاء يرون أنّ علومهم كشفيّة وحضوريّة ، وهذا مصدر معرفي أهم وأرقى بالنسبة إليهم من الأدلّة العقلية ، وكذا النقلية القائمة في كثير منها على الظنون كما هو المشهور ، فلا يصحّ أن نخاطبهم بالقول بأنّ عليكم أن تكيّفوا عرفانكم مع العقيدة ، فهذا أشبه بقول القائل : إنّ على علم الطب أن يكيّف نفسه مع عقيدة النبوّة ! فلكلّ علم معاييره ، وإذا كنّا نناقش العرفاء فلنناقشهم في معاييرهم العلميّة ومدى جدوائيّتها وسلامتها ، لا في أنّ هذا المنهج يعارض العقيدة أو لا ، فالعقائد متفرّعة على البحث العلمي الكامل لا العكس ، فأنت تبني عقائدك بعد أن تكون قد سرت في جولة على مختلف المعطيات العلميّة المتصلة بموضوعات العقيدة ، سواء أتت من النص أم العقل أم القلب أم أيّ مصدر معرفي آخر ، فما يفعله بعضنا اليوم من النقد على شخص قدّم دليلًا على فكرة ، بأنّ كلامك يخالف العقيدة ، هو شيء غير منهجي ، فإنّ العقيدة ليست معيار الحقّ والباطل ، بل أدلّتها هي معيار الحقّ والباطل معرفيّاً ، فإذا جاء دليل معارض لأدلّة العقيدة لزم البحث فيه ، لا الإعراض عنه بحجّة منافاته للعقيدة ، فتأمّل جيّداً فإنّ هذا الأمر ربما يكون من أشهر مغالطات هذا الزمان الذي نحياه . 2 - إنّ العرفاء الشيعة طوّروا كثيراً من القضايا العرفانية التي أخذوها من السابقين عليهم ، وأضافوا الكثير الكثير من المفاهيم ، بل بالعكس تماماً فقد