إلى غيرها من الآيات الكريمة المتعدّدة التي تُعطي أنّ التعبير المشار إليه يُستخدم قرآنياً في الأمور العقدية والإلزامية أيضاً بشكل واضح ومكرّر وغالب ، الأمر الذي يرفع من احتماليّة الإلزام في الآية الكريمة ، وربما لهذا قال بعض علماء التفسير والكلام بأنّ الوصية من الله تكليفٌ وإلزام ، فإنّ كلامهم هذا لا دليل عليه إلا أن يقصدوا أنّ الأدبيات القرآنية قائمة - ولو بنحو الغلبة والكثرة - على استخدام هذا التعبير من قبل الله في الإلزامات .
وبضمّ النقطتين السابقتين يصبح معنى الآية الكريمة : إنّ الله عهد إليكم أنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين و . . ، فهو يجعل هذه المواريث والفرائض مما أثبته الله في عهده للناس وللمؤمنين ، فالله ذكر وبيّن للمؤمنين بأنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين وغير ذلك ، وهذا تقرير للملكيات ، فهو لا يقول : أعطوا الذكر كذا وكذا ، بل هو يقرّر ما يستحقّه الذكر وما تستحقّه الأنثى وما تستحقه الزوجة وما يستحقّه الوالدان ، فهو بنفسه يُدخل في ملكيّة الورثة هذه المقادير ، ويقرّر ذلك للناس ويُعلمهم به .
فهذا مثل آية الخمس ، حيث تفيد أنّ ما نغنمه فأنّ لله ولرسوله واليتامى و . . الخمس منه ، فهو يقوم هنا بإنشاء الملكيّة لهذه الأصناف الستة المستحقّة ، لا أنّه يعلن ملكيّتنا للخمس ، ويطلب منّا أن نملّك هذا الخمس لهذه الأصناف الستّة ، فتأمّل جيداً ، ولهذا يرى كثير من الفقهاء المسلمين أنّه بمجرّد تحقّق الغنيمة يكون خمسها ملك الأصناف المستحقّة للخمس فوراً ، والمطلوب منّا هو تسليم المال لمستحقّه ، فقد ملّك الله - وهو المالك الحقيقي - هذا المال لهذه الأصناف الستّة ، لا أنّه يطلب منّا أن نملّك نحن هذه الأصناف الخمسَ ، بل يجب علينا تسليمهم ما ملّكهم الله سبحانه .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 256
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٥٦