قلنا وما نزال بأنّ الدرس التاريخي للنظريّات والعلوم هو مفتاح حلّ الكثير من التصحيح للصور النمطيّة التي نتلقّاها بسهولة وعفويّة عمّن سبقنا ، دون دراسات تحليلية جادّة فيها وفي ملابساتها وظروف تكوّنها وتبلورها .
بل الدرس التاريخي أثبت وما يزال أنّ الكثير من الأفكار كانت موجودة في القرون الأولى ، ولكنّها هُجرت بعد ذلك ، حتى أنّه لم يعد يتطرّق إليها اللاحقون استهانةً منهم بها أو بأصحابها ، فالنصوص المبعثرة تكشف عن معلومات مثيرة عن أنّ ما نعتبره اليوم أحياناً أمراً منتهياً على المستوى البحثي ، كان في تلك الفترة يحظى بأكثر من وجهة نظر ، وأنّه كانت فيه وجهات نظر أخرى انتصر لها قلّة من العلماء ، ممّن طُمر اسمه غالباً فيما بعد ولم يهتمّ له ؛ لأنّه كان مخالفاً للمشهور أو لمن يملك النفوذ داخل الفرق والمذاهب أو على المستوى السلطويّ .
هذا كلّه ، لو غضضنا الطرف عن أنّ إثبات تحقّق الإجماع المذهبي أو الإسلامي على أمرٍ كلامي أو فقهي ليس شيئاً سهلًا أبداً ، والتعابير والتوصيفات التي يستخدمها بعض الناس في ادّعاء الإجماعات وتوزيعها يميناً وشمالًا . . لا قيمة لها في حدّ نفسها غالباً ، بل إنّ إثبات انعقاد الإجماع في مسألة فقهيّة أو كلاميّة يحتاج للكثير من التتبّع والنظر في الوثائق التاريخيّة وفي نصوص التراث ، لا التساهل في هذا الموضوع .
فكم من أمر ادُّعي فيه الإجماع واكتشف انعقاد الشهرة على خلاف دعوى الإجماع ، ممّا حيّر كثيرين ، وقد عمل الشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه - ) وغيره على تقديم تبريرات وتأويلات لهذه الظواهر الغريبة الموجودة في التراث الفكري الديني ، وذلك عند بحثه حول الإجماع في كتاب فرائد الأصول المعروف بكتاب الرسائل ، ومن هنا فحتّى لو قال شخص بحجية الإجماع المحصّل إلا أنّ حجية
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 22
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٢