كنت في لبنان ، وبجانب محلّ نزولي مسجدٌ كنت أتردّد عليه للصلاة ظهراً كلّ يوم ، وبعد الصلاة وذهاب إمام المسجد ، كنّا نجلس مع بعض الأصدقاء من ( حملة الشهادات ! ) ، إلى أن سألني يوماً شخصٌ عن نظرية الإنسان الكامل ، فأخذت بالحديث عنها ، وتعرّضت لرأي ابن عربي والملا صدرا الشيرازي ، والمضحك أنّه أشيع في اليوم التالي في بعض الأوساط أنّ فلاناً شيرازيّ الهوى ، ولمّا قال لي شخصٌ ذلك ، قلت له : لماذا هذه الشائعة ؟ وهل مزاج تفكيري العام قريب من هذا الفريق ؟ فقال : لأنّك تحدّثت عن صدر الدين الشيرازي بالأمس ، فقلت له وأنا مبتسم : إنّ صدر الدين الشيرازي مات قبل الشيرازي الذي تواجهون مشكلةً معه بحوالي أربعمائة عام .
هذه هي الثقافة السطحيّة المعلّبة ، حتى أنّك في كثير من الأوساط لو سألت : ما هي مشكلتكم مع فلان ؟ فلا يعرفون ! لا أريد أن أدافع عن أحد ، لكن أريد أن أبكي على حالنا في كيفية تعاملنا مع بعضنا ، فتتربّى الأجيال على شائعات وقصص ولا يعرف أحدٌ شيئاً .
ولا يهمّني الآن مع من هو الحقّ ومن هو في جانب الباطل ، فقد ذهبوا إلى ربّهم وهو أعلم بحالهم ، وليس لنا إلا أن نسأل لهم جميعاً الرحمة والرضوان ، ونتخلّق بأدب « اذكروا محاسن موتاكم » .
المثال الثاني : كتبتُ لبعض المجلات الموقّرة قبل حوالي سبع سنوات بعض المقالات الفقهيّة البحثيّة التي لا علاقة لها لا بالفكر السياسي ولا بغيره ، فكلّمني مسؤول المجلّة التي كانت تنشر لي باستمرار ، وقال لي بلغة استحياء - وهو صديقٌ عزيز - : هل يمكن أن نحذف اسم الشيخ المنتظري وكتابه من أحد هوامشك ؟ ! إنّ كتاب المنتظري كان واحداً من عدد كبير من الكتب التي وثّقت
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 594
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٩٤